تقرير تركيبي حول مضامين المداخلات والنقاشات للدورة الشتوية لجامعة التنمية الاجتماعية المنظمة من طرف مركز الدراسات و الأبحاث في العلوم الاجتماعية بشراكة مع الكلية المتعددة الاختصاصات بتازة، من 08 إلى 11 يناير 2010 ، حول موضوع صيرورة و تمفصلات التنمية الاجتماعية و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و اللغوية.
في إطار فعاليات الدورة الشتوية لجامعة التنمية البشرية المنعقدة بالكلية المتعددة الاختصاصات بتازة تم افتتاح اليوم الأول بتلاوة آيات من القران، تلاها كلمة ترحيبية قدمها للسيد قيدوم الكلية السيد احمد تالويزت، ثم كلمة السيد فارسي السرغيني، رئيس جامعة محمد بنعبد الله بفاس، والأستاذ عبد الله ساعف، مدير مركز الدراسات و الأبحاث في العلوم الاجتماعية بالرباط ثم كلمة السيد محمد بنهلال عن اللجنة التنظيمية.
وفي معرض كلمته أشارالأستاذ عبد الله ساعف إلى الأسباب الكامنة وراء اختيار موضوع الحقوق الثقافية و اللغوية وإدراجها ضمن التنمية الاجتماعية والإنسانية المستدامة وذكر بمختلف التطورات التي طرأت على أجيال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت في المغرب منذ الاستقلال.
كما ألقى الأستاذ علي كريمي المداخلة الأولى حول الطابع الإلزامي للحقوق الثقافية، الاقتصادية و الاجتماعية. وتساءل حول الأسباب التي جعلتها أقل إلزامية من قريناتها و حول كيفية تحولها من مجرد مبادئ ثورية و فلسفية تنويرية إلى نصوص قانونية.
فقد عرفت هذه الحقوق صيرورة تاريخية حولتها من مجرد مبادئ إلى حقوق يمكن المحاجات بها أمام القضاء رغم كونها لا تزال جنينية. كما طرح السياق التاريخي لهذه الحقوق، معتبرا أن سنة 1848 تعد سنة مرجعية لهذه الحقوق، حيث تم فيها الانتقال من الدولة الليبرالية إلى الدولة الراعية المؤسسة للرفاه الاجتماعي. تم تلتها سنوات 1918 التي شهدت قيام الثورة البلشفية في روسيا، و سنة 1948 التي أسس فيها للانتقال من مستوى القوانين الداخلية إلى القانون الدولي.
و خلص إلى اعتبار مسألة إلزامية هذه الحقوق تتأسس من خلال رأيين متباينين، يرى الأول منهما أنها مجرد وعود و مبادئ غير ملزمة للدولة، فيما يرى الثاني أنها حقوق ملزمة للدول مثل الحقوق السياسية والمدنية.
الجلسة الثانية كانت بعنوان خطوات وممارسات سياسية للحقوق الثقافية ، اللغوية ،الاقتصادية و الاجتماعية .
تدخلت فيها الأستاذة صليحة بوعكاكا حول الحقوق الثقافية بين القانون الداخلي و العهود الدولية، مؤكدة من خلالها ارتباط الحقوق الثقافية بالثقافة وبمفاهيمها المتداولة دوليا كالهوية الثقافية والنسبية الثقافية والتعدد الثقافي الخ. و ذكرت أن القانون الدولي لا زال قاصرا عن ضمان الحقوق الثقافية واللغوية بالنظر إلى كونه لم يتضمن إعلانا مستقلا بها يضمن ممارستها. و أشارت إلى أن المغرب قد صادق إلى حد الآن على 22 اتفاقية دولية تتضمن اعترافا ضمنيا بممارسة الحقوق الثقافية و أولية المواثيق الدولية مقارنة بالقانون الداخلي.
و تبقى، في نظرها، هذه المسألة موضوع نقاش فقهي و قانوني. مؤكدة انه في حالة المغرب لا توجد مقتضيات قانونية صريحة تنص على أولوية القانون الدولي على القانون الداخلي.
أما مداخلة الأستاذ اد بلقاسم فقد تناولت الحقوق الثقافية و اللغوية من خلال مرجعيات الأمم المتحدة. وقد اعتمد في تعريفه لها على التحديد الدولي الصادر عن معاهدة مكسيكو لسنة 1982 و اقترح تناول التجربة الصحافية الأمازيغية المغربية. معتبرا أن الدول، في البداية، اعتمدت على مفهوم الدولة الأمة ذات اللغة الواحدة التي تحقق الاندماج الوطني ومن ثم لم تعترف بالتعدد الثقافي الموجود داخل مجتمعاتها. ومن هذا المنطلق لم يبقى للشعوب الأصلية إلا أن تناضل من أجل بقائها ضد سياسات الاستيعاب الممارسة تجاهها، مستعينة بالاعتراف الدولي بالحقوق الثقافية المضمنة في العهد الدولي لسنة 1989. ذالك أن هذا الأخير قد فتح مسلسلا للاعتراف الدولي بالحقوق الثقافية و صلت حدود الأمم المتحدة سنة 2007 من خلال الإعلان الدولي للحقوق الاجتماعية. و أشار إلى انه في حالة المغرب تعتبر بعض الحقوق الثقافية مضمونة من خلال بعض القوانين الاستعمارية التي ما تزال سارية المفعول كالقانون العقاري الذي يحمي أراضي الجماعات.
في حين تناولت كلمة الدكتور عبد الله ساعف مسألة التعدد الثقافي و الانتقال الديمقراطي في المغرب، معتبرا أن التعريفات للتعددية الثقافية كثيرة هي و من ثم فانه اعتمد على مقاربة عالم الاجتماع ميشيل فيفيوركا التي تتأسس على الجوانب الثقافية و المؤسساتية و الإيديولوجية. و اعتبر أنه داخل هذه المسألة تثار إشكالية الأمة ثم عدم التمايز و التطلع إلى بناء الهوية الجماعية. و أكد أن المقاربة السياسية التي تقوم على الاندماج الوطني تعد من أكثر المقاربات تداولا، مشيرا إلى أن رهانات الموضوع كثيرة تتركز في تصريف السياسات العمومية بشكل دقيق في هذا المجال، كتدبير الاختلافات و النزاعات الناشئة عن هذه الاختلافات. أي التدبير السياسي للتعددية و تتميم الاختلافات، ثم كيفية تدبير الاختلافات و النزاعات الثنائية. وفتح المجال أمام كل الثقافات، أي تدبير الانفتاح الثقافي.
ثالثا ، تدبير الهوة بين المواطنة و الانتماء الإثني، و تفتح هذه المسألة إشكالية إدماج الأقليات . و توجد عدة نماذج يمكن ذكرها كالنموذج الأمريكي الذي يعتمد على الاختلاط و الاندماج الثقافي داخل السياق الانجلوساكسوني، ثم النموذج الكندي الذي يركز على الثنائية اللغوية و التعددية الثقافية. في حين يعتمد النموذج الانجليزي على المجتمع بدل الدولة لحل هذه الإشكالية. أما النموذج الفرنسي فانه لا يعترف بالتعدد اللغوي لكنه يعترف بالتعدد الثقافي.
و بالنظر إلى الحالة المغربية تبقى مسالة التعددية الثقافية واقعا ملموسا رغم عدم الاعتراف به من الناحية القانونية.
و من هنا فطرق التدبير تبقى أما الاندماج أوالاعتراف بالحقوق الجماعية المعقدة، أو تثمين التمايزات والمساواة بين الثقافات أو الاعتراف بالثقافة و بالحقوق المرتبطة بها.
أما التوجهات الممكنة فهي إما تقوم على سياسات عمومية مشتركة أو على تدبير التعددية الثقافية من زاوية التواصل و النشر و أو على فتح فضاءات للاندماج الثقافي من خلال استغلال الفضاءات المتعددة، أو على عدم إعطاء أي أهمية للإثنية.
و تناول الأستاذ سعيد بنيس مسألة السياسة اللغوية و تدبير التعدد الثقافي بالمغرب، متسائلا حول إمكانية وكيفية تدبير التعددية، التي تبقى في نظره إما واقعية أو مؤسساتية أو دستورية.
فبالنسبة للتدبير الواقعي يتم الاعتماد على المنظور الآني و المعاش للتعددية اللغوية دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب القانونية و المِؤسساتية. أما بالنسبة للتدبير المؤسساتي في المغرب فلدينا مؤسستين هما مركز البحث حول التعريب و المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
و يمكن القول أن السياسة اللغوية في المغرب تقوم على التدخل الواعي و الممنهج للدولة لتدبير الاختلاف اللغوي. و من ثم فلدينا في المغرب ثلاث سيناريوهات ممكنة،
– مأسسة اللغة الوطنية العربية و الأمازيغية،
– دسترة اللغات الوطنية العربية و الأمازيغية،
– تثمين الازدواجية اللغوية الرسمية التي بدورها تطرح إشكالات عديدة منها
+ إخضاع اللغة للواقع المعاش كالجهوية اللغوية و مبدأ المجالية و
+ مبدأ الشخصية الذي تعتمد فيه السياسة اللغوية على حاجات الأفراد…الخ
كما تطرق الأستاذ عبد الرحيم المصلوحي لموضوع تحولات المواطنة في الغرب على ضوء الحقوق الجديدة، معتبرا أن مسألة الهوية الثقافية تطرح نفسها بحدة في المغرب. و أشار إلى أن فريضته في الموضوع تقوم على فكرة أن المغرب يعيش حاليا انتقالا ثقافيا شاملا على غرار الانتقال السياسي الذي أقره Ronald Inglehart .أي أن المغرب يعيش فترة انتقالية من المطالب الشعبية المادية إلى المطالب الرمزية الغير مادية مثل احترام الأفراد و الجماعات و ضمان الحقوق…فمن جهة المواطن يلاحظ وجود مطالب نوعية و رمزية تتجاوز المطالب المادية التقليدية و من هذا المنطلق يعيش المغرب إشكالا للعلاقات بين الدولة و المطالب الثقافية للجماعات، ذالك أن السياسات العمومية في المغرب لم تتعضد بتنمية اقتصادية مهمة تمكن من تلبية المطالب المادية للمواطنين كما حصل في الدول الغربية. و من ثم فالمجال العمومي في المغرب لم يصل بعد إلى إفراز انتقال ثقافي مهم.
يبقى السؤال إذا ما العمل لأجل الإسراع بهذا الانتقال؟
1 . الدولة مطالبة بالاعتماد على سياسات الاعتراف بالهويات الثقافية التي هي أيضا مطالبة بالاعتماد على مبدأ المواطنة الدستورية.
2 . الاعتماد على منطق ما بعد الوطنية أي المواطنة الدستورية.
بعد هذه المداخلة تم فتح النقاش داخل القاعة حول مجمل العروض التي ألقيت.
في الجلسة الثالثة كانت مجمل المداخلات تصب في موضوع تنظيم الثقافة و اللغة و الهوية و المجتمع. حيث تناول الأستاذ طاهر كركري في مداخلته موضوع الحقوق اللغوية و الثقافية للطفل المغربي بدول الإتحاد الأوروبي و آثارها على صيرورة اندماجهم. حيث اعتبر أن الممارسة اللغوية للطفل المغربي في المهجر تأخذ طابعا عائليا صرفا في غياب المؤسسات التعليمية الكفيلة بتلقينهم للغتهم الأصلية بروافدها الثلاث \الأمازيغية و العربية و الدارجة. هذا بالرغم من كون الحقوق اللغوية للأطفال مضمونة من طرف المعاهدات الدولية.
أما طبيعة هذه الحقوق و طرق ممارستها من طرف أطفال المهاجرين المغاربة فإننا نلاحظ معاناتهم من التهميش المتعدد الأوجه، سواء في بلدهم الأصلي أو في بلدان المهجر.إذ يجد هؤلاء الأطفال صعوبة بالغة في تعلم اللغة الأصلية لعدم الاهتمام الذي تلاقيه من طرف الدولة المغربية و من طرف دول الاستقبال.
أما الأطفال المقيمين بطريقة غير شرعية فهم يعانون من جميع أشكال التمييز نظرا لوضعيتهم الغير قانونية و من ثم تجد الدول المستقبلة لهم صعوبات في إدماجهم أو تعليمهم للغة الأم مما يضطرها إلى اللجوء إلى سياسات التخلص منهم قانونيا أو إجرائيا كما هو الشأن بالنسبة لكل من ايطاليا و اسبانيا.
و من هنا يبقى تعلم اللغة الأم في المهجر مسألة لا ترقى إلى سقف المطالب الاجتماعية المتعلقة بحق الأطفال في تعلمهم للغة الأم.
في حين تطرق الأستاذ سعيد بنيس لموضوع الألقاب الأمازيغية بين الحقوق الثقافية و حقوق الهوية، متسائلا حول مطابقة الأسماء الأمازيغية لمطالب الحركة الأمازيغية.
إذ يمكن ربط مسألة الأسماء الأمازيغية بالتوجه الجديد للجهوية و ملائمتها بالحقوق الثقافية و الهوياتية و من ثم هل يمكن اعتبار منع تداول الأسماء الأمازيغية مسا بالحقوق الثقافية للمواطنين. فالأسماء الأمازيغية ترتكز على هوية ثقافية اذ أنها تتمظهر من خلال الهوية المغربية المتعددة. و بالتالي فهذه المسالة تطرح إشكالا أساسيا حول معرفة ما معنى أن تكون مغربيا.
من هنا تعتبر الأسماء الأمازيغية أسماءا مغربية محضة تخص جميع المغاربة. ففي المغرب لا توجد دراسة حول الأسماء الأمازيغية و قد نعطي قائمة من الأسماء المغربية الأمازيغية ذات الجذور العربية، أضف إلى ذلك أن بعض الأسماء التي تقبل في صيغتها العربية في حين ترفض في صيغتها الأمازيغية.
أما الأستاذ محمد الهاشمي فقد تناول موضوع الإنصاف اللغوي في المغرب متسائلا لماذا يجب على مجموع المغاربة تحمل لغات ليست لهم في التداول. المشكل في نظره يكمن في اعتماد الواقع اللغوي المعاش كواقع مشروع و عادي في حين أنه واقع لغوي أحادي غير تعددي.
و تساءل أيضا حول دور اللغة في التحول الديمقراطي؟ باعتبار أن هذه الفرضية على كون التعدد اللغوي يعد تعبيرا عن الهوية المتعددة الأبعاد. و من ثم فالمطلوب ليس ضمان حقوق الأغلبية بل ضمان وجود و تعبير الأقليات بمعزل عن وضعيتها التصويتية.
كما طرح سؤالا آخرا حول العدالة اللغوية الذي يكشف عن الإختلالات الحاصلة بين اللغة المهيمنة وباقي اللغات. كالامتيازات الاقتصادية و الخدمات العمومية، أي وجود تأثير للغات المستعملة على مستعملي اللغات الأخرى. يمكن سياق أمثلة داخل المحاكم و المؤسسات التمثيلية التي تؤثر من خلال لغتها المستعملة على حقوق مستعملي اللغات الأخرى، كما للتربية و التعليم قدرة كبيرة على مستوى التحصيل الدراسي للأطفال دوي اللغات الأخرى. وخلص إلى اعتبار أن اعتماد لغة واحدة في وسط متعدد اللغات يؤدي إلى تفاوت و اختلال في التوازن. ومن ثم توجد مقاربتين للتعامل مع اللغة،مقاربة الدولة التي تعتبر الأمازيغ كمجموعة لغوية و مقاربة الجمعيات الامازيغية التي تعتبر اللغة كقومية.
كما تركزت مداخلة محمد السوسي على الممارسة الثقافية من خلال مقترب تفاعلي ، معتبرا أن الممارسات الجمعوية الثقافية تؤثر بشكل واضح على السياسات العمومية الثقافية. و أشار إلى أن الممارسات الثقافية المتعلقة بالدولة لم تستطع تفعيل الديناميكية الثقافية المجتمعية نظرا لخوفها البالغ من الخصوصيات الثقافية . فالسياسات العمومية الثقافية كانت ولا تزال بعيدة عن المطالب الاجتماعية في هذه المسألة لكونها تختزلها في منتوج للاستهلاك، و من ثم فالمطالبة بالحق القانوني في شخصية وهوية ثقافية لا يجب أن ينتظر حل جميع الإشكالات البنيوية المتعلقة بالمسالة اللغوية و الثقافية.
وعلى اثر هذه المداخلة تم فتح النقاش داخل القاعة حول مجمل الأفكار التي تم طرحها.
أما الجلسة الرابعة المتعلقة بموضوع التنمية وهيمنة الحقوق الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية فقد تدخل فيها الأستاذ الصديقي عبد السلام حول إشكالية الحقوق الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية في السياسات العمومية، متناولا إياها من الزاوية التاريخية باعتبارها ابتدأت مند الاستقلال مرورا بخطة التقويم الهيكلي في الثمانينيات التي فتحت الباب أمام هيمنة النموذج الليبرالي للحقوق الذي يرى أن آليات السوق كفيلة بتلبية الحاجيات و المطالب الاجتماعية.
و تكمن المفارقة لديه في كون ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي لم يوازيه تلبية الحقوق الاجتماعية، بل يلاحظ تراجع مستوى الصحة و التعليم كما تفاقمت الوضعية الاجتماعية إلى حدود بداية التسعينيات حيث حصل تحول في السياسات العمومية الاجتماعية.
و يذكر أن تفاقم الوضعية الاجتماعية أدت إلى إفراز سياسة اجتماعية من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كرد فعل ضد مختلف التقارير الدولية التي كانت تنتقد المغرب في هذا المجال. في الوقت الراهن صادق المغرب على العهدين الدوليين للحقوق السياسية و الاقتصادية سنة 1998 إلا أنه لا يزال بعيدا عن تحقيق مؤشرات مهمة في التنمية البشرية حيث لا يزال يحتل الرتبة 130 عالميا في هذا المجال رغم تحقيقه لتقدم نسبي ملموس في مجال الحقوق السياسية.
أما الأستاذ عبد القادر لشقر فقد تناول موضوع دور المجلس الاجتماعي و الاقتصادي في النهوض بوضعية الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، معتبرا أن المجلس قد حظي باهتمام خاص من طرف الملك و الحكومة المغربية.
و أشار إلى أن دور المجلس محاط بعدة عراقيل بالنظر إلى وجود عدة هيأت استشارية في المغرب لم ترقى إلى المستوى المطلوب ، متسائلا إن كان هذا الأخير يشكل استثناءا باعتبار أن التجارب الناجحة في العالم تبقى قليلة جدا.
رغم دالك تبقى المراهنة على المجلس من اجل إحداث دينامية إصلاحية في المجال الاجتماعي و الاقتصادي في المغرب أمر ضروري.
في حين تطرق الأستاذ محمد بنهلال لمسألة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الحق في التنمية وبحث في الأسس والسياسات. معتبرا أن المرجعية في هذا المجال هي العهد الدولي للحقوق السياسية الذي يلزم الدول بتوفير الشروط الموضوعية لممارستها . و أشار إلى وجود تمييز واضح بين الحقوق المدنية و الحقوق الاقتصادية لكون النوع الأول من الحقوق يعد إلزاميا و فوريا للدول في حين أن الصنف الثاني هو حقوق متدرجة و تدخل ضمن نطاق السياسات العمومية. و ذالك أن الصنف الأول من الحقوق لا يكلف الدولة إلا عناء موقف عدم التدخل لعرقلتها في حين أن الصنف الثاني فيترتب عنه نفقات عمومية تدريجية.
و تطرق أيضا للمسطرة المتبعة من طرف الدول لأجل الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية و الاقتصادية مثل إعداد التقارير الدورية و تفحصها من طرف خبراء ثم نشرها للتداول العمومي… الخ
وتعرض الإستاد محمد المهدي لموضوع حق الطفولة في الحماية كحق اجتماعي على ضوء التشريع المغربي و المواثيق الدولية ر كز من خلالها على المرجعية القانونية الدولية في هذا المجال كاتفاقية ضمان حقوق الطفل لسنة 1989 و على مسألة ملائمة التشريع المغربي مع القوانين و العهود الدولية في هذا الباب .
كما شرح مضمون هذه المعاهدة المتعلق بضمان حقوق الأطفال و بطرق احترامها للانتقال من مجال الخطاب إلى مجال الالتزام القانوني بها، مذكرا أن هذه الاتفاقية قد حظيت باهتمام كبير من طرف أجهزة الدولة و المجتمع المدني و أجهزة الإعلام.
و أشار إلى إحداث المرصد المغربي لحماية حقوق الطفل الذي قدم اقتراحات لملائمة التشريع المغربي مع المواثيق الدولية. و قد نص العهد الدولي على نوعين من الحقوق منها الحق في عدم طمس الهوية ثم الحق في الشخصية. و تبقى وضعية حقوق الطفل في المغرب بعيدة عن الامتثال للقوانين و التشريعات الدولية بالنظر إلى غياب إرادة حقيقية لمحاربة الفوارق الاجتماعية و الاقتصادية و القانونية.
و على اثر هذه المداخلة تم فتح النقاش داخل القاعة حول المواضيع التي تم إلقائها.
أما الجلسة الخامسة التي كانت بعنوان تمفصلات الحقوق و المرجعيات المؤسساتية فقد تدخل فيها الأستاذ بنيونس المرزوقي حول إشكالية الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية من خلال الدستور المغربي، معتمدا على قراءة دستورية شخصية تتساءل حول إمكانية و جود دستور اقتصادي في المغرب على غرار الدستور الاقتصادي البريطاني. و اعتبر أنه في الدستور المغربي لا توجد إلا بضع نصوص حول الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية (الفصل و 15و 14 حول حق الإضراب و حق الملكية).
و أشار إلى أن المغرب قد صادق على العديد من المعاهدات و المواثيق الدولية التي لم تدرج في الدستور، مما يوحي بعدم وجود إرادة سياسية واضحة لتثبيتها و لدسترتها مثل الفصل 13 المتعلق بحق المواطنين في التعليم و الشغل. إذ نجد في الدستور المغربي العديد من الفصول التي تحدد الأجهزة و المؤسسات التي تعنى بهذا الشأن. هذا يدل على ضرورة توسيع مجال و صلاحيات الدستور في هذا المجال ر غم تقليصه.
و تناول الأستاذ محمد الساسي موضوع الدستور المأمول و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية موضحا أن العلاقة بين الدستور المأمول و الحقوق الاقتصادية تطرح مسألة دسترة اللغة الامازيغية و الهوية ثم الهيأة المكلفة بها إظافة إلى دسترة الجهوية من اجل استحضار أبعادها الثقافية المتعددة. ذلك أنه في مجال دسترة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية لا توجد مقترحات دقيقة حول توسيع مجالها من طرف الأحزاب التي لا تهتم إلا بالحقوق السياسية باستثناء مذكرة الحزب الاشتراكي الموحد الموجهة إلى الملك.
و من ثم فالدستور المغربي بتضمنه لحماية الملكية الخاصة و المبادرة الفردية لم يعمل على معادلتها و موازنتها بالعدالة الاجتماعية و بالتالي فهناك ضرورة للمزيد من دسترة الحقوق في المغرب و ملائمتها مع المعاهدات و المواثيق الدولية تماشيا مع الموجة الجديدة لحقوق الحقوق الدستورية.
أما الأستاذ فؤاد بوعلي فقد تطرق لموضوع الانتقال من خطاب الهوية إلى خطاب التنمية ، معتبرا أن الجذور التاريخية لخطاب الهوية تجد سندا لها في خطاب الحركة الوطنية المغربية و أعطى مثالا بكتاب النقد الذاتي لعلال الفاسي و برسائل المختار السوسي حول الموضوع. و ذكر بثلاثية ارتباط اللغة العربية بالقران و الإسلام. كما اعتبر أن اللغة العربية هي رهان التحرر السياسي و الفكري بالمغرب، مشيرا أن العلاقة بين اللغة العربية و الأمازيغية لم تكن أبدا علاقة تنافرية بل كانت تكاملية. مؤكدا أننا نلاحظ في الوقت الراهن وجود “محرقة” لغوية تجاه العربية نتيجة هيمنة الخطاب الهوياتي… و من ثم اعتبر أن المدخل الأساسي لديمومة اللغة العربية يكمن في إصلاحها. و دعي في الختام إلى خطاب هوياتي حديث يعتمد على النقاش الهادئ و التركيز على الأمن اللغوي ، بالنظر أن لكل مواطن الحق في الأمن اللغوي للتواصل أي الحق في اللغة القومية العربية.
و بعد ذلك فتح باب النقاش حول ما تم طرحه في مجمل المداخلات.
في الجلسة الختامية ألقى الأستاذ عبدا لله ساعف كلمة أحال فيها على مختلف المحطات الرئيسية للنقاش حول الموضوع و ذكر بالأرضية الموجودة على الشبكة التي أعدها المركز من اجل النقاش. و أشار إلى أن الدورة الحالية عرفت نجاحا مهما بالنظر إلى حضور أزيد من 120 مشارك من مختلف أرجاء المغرب و من مختلف التوجهات. كما نوه بالمجهودات الكبيرة التي قامت بها اللجنة المنظمة و الأساتذة الباحثين مؤكدا على قوة الشراكة التي تجمع المركز بالكلية المتعددة الاختصاصات بتازة و أضاف أن دعم و تشجيع السلطات المحلية و الأكاديمية قد لعب دورا مهما في إنجاح هذه الدورة.
كما أوضح أن الدورة عرفت 18 مداخلة في الإجمال . وتابع أن المركز قد دخل في مرحلة نشر الدورات و مساهمات المتدخلين. و ذكر في الختام بضرورة توفير الترجمة الفورية للمشاركين الأجانب في المستقبل.
وفي النهاية تمت قراءة مختلف التقارير المتعلقة بمواضيع الجلسات خلال الدورة.
