18 janvier 2026

تقــــــــــرير عن الجلسة العامة الثالثة

حول موضوع: (التجارب و الآفاق)

 تقرير: ميمون بويدرى.

             افتتحت هاته الجلسة، باستعراض ظروف نشأة مفهوم الهوية، حيث شكل انهيار سور برلين، و نهاية الحرب الباردة، لحظات قوية في تبلور الوعي الهوياتي في كل أنحاء العالم، مع ما رافقه من ترسانة قانونية و زخم من المعاهدات الدولية، تهدف الى الدفاع عن الحقوق الثقافية لمختلف الشعوب ، من الولايات المتحدة الأمريكية ، مرورا بأمريكا اللاتينية  ، و أفريقيا ، ثم أوربا فآسيا .

             هذا الواقع (واقع التعدد والاختلاف ) يجد أساسه في الطبيعة السياسية للهوية، وتأثير الآخر في تشكيل الانا ، حيث وضعية الانا تتحدد بالمقارنة مع وضعية الآخر ، مادام الآخر موجود و حقيقي ، و تترتب عن فعله آثارا كثيرا ما تمس بالانا .

         فمفهوم الثقافة، و مفهوم الهوية – يضيف المشاركون – لا يستقيمان على منهج واحد ، الأمر الذي تؤكده مختلف النقاشات الدائرة في الموضوع، في وقت استفردت فيه السياسة بالزمن الأول في صيرورة تشكل الملف المطلبي للثقافة ، إلا أنها ( أي السياسة) لا تهيمن إطلاقا على مصير تشكل الهوية .

              و بعد موقعة مفهوم الهوية بين مختلف الحقول المعرفية التي تتجاذبها، انتقل المشاركون للحديث بشكل دقيق عن الهوية في سياقها الاسباني و الأوربي، فليس ثمة دولة أوربية- يضيف المشاركون- لا تملك عناصر التمييز و الاختلاف. وبسطوا لذلك العديد من الأمثلة .

              فاسبانيا مثلا هي نموذج للدراسة و التحليل، بل و حتى للإقتداء، و تعددها الثقافي يؤكده الواقع، و يزكيه النص، فميثاق اسبانيا لسنة 1978، يؤكد على أن هناك ثلاث قوميات تاريخية، الباسك، كاتالونيا ، و كاليسيا.

              إن الواقع الاسباني لم يكن نتيجة ولادة طبيعية هادئة، بل تشكل بعد تراكمات نضالية و تاريخية، بدءا من القرن الثامن عشر الذي عرف تظاهرات عفوية وعشوائية مرورا بالقرن التاسع عشر الذي عرف نشوء الحركة المدافعة عن الهوية، ووصولا إلى بناء الدولة الأمة المشتغلة بثقافة المؤسسات المشتركة.

              إن إدراك مدى الرفض و الثورة (الهادئين طبعا) ضد الوضع الرسمي القائم في اسبانيا ، كنتيجة حتمية لقوة الاختلاف  و التعدد ، يبدأ بشكل بسيط من الاستماع إلى صاحب آلة قيثارة ، وصولا إلى صاحب فكر يساري ، يرى في نفسه الطاقة و القوة التصحيحية .

              وبعد استعراض التجربة الاسبانية، المثقلة بالدروس و العبر في تدبير الاختلاف و التعدد، انتقل المشاركون إلى مساءلة الواقع الثقافي الامازيغي في المغرب، في صيرورته التاريخية سواء كحقل ثقافي، أو سياسي، أو اقتصادي و اجتماعي، و الذي يبدو أنه بقي حبيس الزمن السياسي للجزائر في سنة 1995، لما تم تأسيس المفوضية السامية للأمازيغية، واعتبر المشاركون أن هناك ثلاث لحظات حاسمة لمقاربة الفعل الامازيغي الرسمي :

  1. لحظة الإنشاء
  2. لحظة الاشتغال، أو لحظة الرزنامة
  3. لحظة التقييم

      1- لحظة الإنشاء:  وهي اللحظة التي خرج فيها المعهد الملكي للثقافة الامازيغية للوجود ، حيث –يضيف المشاركون- رغم ثقل اللحظة التاريخية ، و السجال الفكري الذي تلاه ، إلا انه لم يخدم كثيرا المصلحة الثقافية ، الامازيغية ، نظرا لاعتماده مقاربتي الضبط و التنظيم ، وعدم قدرته على بلورة المفاهيم التي تقمصها عن الحركة الثقافية.

      2- لحظة الاشتغال:  أو لحظة الرزنامة  وهي لحظة رغم أهميتها الا أنها  تبدوغير متوازنة لعدم وجود خطاب و مرجعيات قادرة على احتضان البرامج.

     3- لحظة التقييم:  وبعد أن أصدر المشاركون تحذيرا منهجيا يتعلق بأشكال التعامل مع آليات التقييم، معتبرين أن تقييم عمل المعهد يجب أن يتم بالاحتكام إلى الممارسة، و ليس إلى محاكمة الوثائق و تأويلها خارج سياق اشتغالها، انتقلوا لتقييم سنوات اشتغال المعهد والذي خلف تراكمات مهمة، رغم افتقاده الانسجام بين مكونات جسمه، و تسييجه بمضادات، كوزارة التربية الوطنية و الاتصال و غيرها… و في الأخير تساءل المشاركون عن الإمكانيات المتاحة للآليات التقليدانية في معالجة إشكالية في عمق السياق الدولي الذي اكتسحته الحداثة.

          وعن الفعل النضالي للحركة الامازيغية اعتبر المشاركون أن نهاية السبعينات و بداية الثمانينات كانت محطة حاسمة لبداية الوعي الامازيغي ، و كان لتنكر الدولة و الأحزاب دورا أساسيا في تعميقه ، فالانتصار للأطروحة الامازيغية- يضيف المشاركون-  كان كثيرا ما يمر عن طريق نقض الأطروحة الوطنية .

         و قد خص المشاركون مقاربة واقع الحركة الأمازيغية، بلحظة تأمل استبطانية، يمكن تلخيص استنتاجاتها في ثلاث قراءات:

   *القراءة الأولى: همت سرد مختلف الجوانب الايجابية للحركة مجتمعيا، وذلك بإسهامها الفعال في تغذية مفاهيم الوطنية، الديمقراطية، والهوية.

   *القراءة الثانية:  خصصها المشاركون للحديث عن مختلف المشاكل، والخلافات التي تتخبط فيها الحركة، خصوصا فيما يتعلق باستقامة الخط الإيديولوجي، وطبيعة الخطاب (جدلية السياسي والثقافي) فالحركة الأمازيغية تبدو تارة كمجموعة ضغط وتارة أخرى “كحزب سياسي” .

   *القراءة الثالثة: وتتعلق بالآفاق والمستقبل، أكد من خلالها المشاركون على الدور الكبير للجانب الداخلي، مع اقتراح تبني أطروحة مجموعة الضغط التي تعتبر السياسي في خدمة الثقافي.

         وبعد إجراء تشريح دقيق للجسم الأمازيغي، انتقل المشاركون لاستشراف آفاق الأمازيغية ورهاناتها، حيث يشكل تجاوز أطروحة الأمازيغية كأسلوب للاحتجاج، أولى الرهانات في أجندة الفاعلين الأمازيغيين، بيد أن الأمازيغية دخلت إلى المختبر العلمي، الأمر الذي يؤكده وجود مجموعات البحث في المادة الأمازيغية، كما استأثرت مسألة تنمية الشعور الوطني، كحلقة من حلقات الرهان الأمازيغي، باهتمام المشاركين وذلك لما يعرفه من أزمة حادة ناتجة عن قصور وظيفي لكل من المدرسة والإعلام .

       وفي الأخير أجمع الحاضرون على ضرورة:

–  تخليق الحوار وذلك بأخذ مسافة عن الحسابات الذاتية الضيقة.

–  توحيد الخطاب لضمان انسجام أكثر لمكونات الجسم الأمازيغي.

– الحفاظ عن الخصوصية الوطنية بشكل يضمن لها الانسجام مع العناصر الموضوعية ويحصنها ضد الاصطدام مع الحركة الكونية.

–  الاستفادة من مختلف التجارب الاقليمية منها والدولية.

– تأهيل الأمازيغية كحقل معرفي مستقل، يتفاعل ويستوعب الإشكاليات الثقافية، الاقتصادية و الاجتماعية، ويقدم الإجابات والحلول الممكنة، كقوة اقتراحية وتقريرية.

– تجاوز مرحلة إثبات الذات والوجود إلى صناعة البرامج والسياسات.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *