16 février 2026

تعاقبت مختلف أجيال حقوق الإنسان فمن موجة الحقوق السياسية والمدنية إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ثم إلى الحقوق الثقافية واللغوية. هل الامر يتعلق بترسبات بدون اثار متبادلة؟ بتعافب موجات حقوق مستقلة نسبيا؟ او بتمفصلات خلاقة لديناميات جديدة؟

فرغم ان الجيل الجديد لحقوق الإنسان يتمثل أساسا في الحقوق الثقافية واللغوية، يبقى  من الصعب تحديد عمق ومضمون الحقوق الثقافية بالمغرب بدون استحضار سياق المتغيرات السياسية  التي عاشها. إن فهم وضعية هذه الحقوق، ضمن حقوق الإنسان بصفة عامة، يبقى دائما مطروحا ليس فقط على المستوى الوطني بل حتى على الصعيد الدولي أيضا. ومع ذلك يمكن الإشارة إلى مؤشرات على وجود هذه الحقوق على مستويات مختلفة وعلى تجدرها من خلال ربطها بالحركية السياسية التي أثرت على حقوق  الإنسان منذ السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين.

وتعد دراسة الحقوق الاقتصادية بالمغرب، وضمان إقرارها واحترامها من طرف الدولة، غاية صعبة المنال، إلا أن هذه الصعوبة يمكن التخفيف من حجمها باستحضار مرجعية هذه الحقوق، تطورها في الزمن، وطرق اعتمادها ما بين سنة 1901 و1908، كمحطتين مرجعيتين مهمتين في هذا الخصوص.

إن إشكالية الحقوق تطرح بالموازاة مع ذلك الأسئلة المرتبطة بالأهمية التي أولاها التشريع الاستعماري للحقوق والحريات بالمغرب وبأبعاد الحقوق الثقافية للمغاربة بين سنة 1912 و1956، ثم كيف تطورت أو تراجعت هذه الحقوق في المغرب المستقل؟ هل تم الاهتمام بها أم أنها عرضت على العكس من ذلك للإهمال؟ هل كانت حاضرة في انشغالات المشرع سنة 1958عند وضعه لقوانين الحريات والحقوق بالمغرب؟ أم إن هذه الحقوق تعرضت للتجاهل أو للإخفاء؟

إن اللحظة التاريخية الممتدة بين سنتي 1965 و1975 يمكن أن تعتبر لحظة مرجعية ذات اثر قوي في مجال الحقوق الثقافية بالمغرب، وبالخصوص فيما يرتبط بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية. في هذا الاتجاه يمكن الاعتراف بان هزيمة 1967 في العالم العربي وثورة الشباب العالمي في 1968 لعبتا دورا محفزا لبروز نواة الحركة الجمعوية الثقافية الأمازيغية. يبدو بان هذه الفترة تكتسي معنى خاصا في سيرورة نشأة الوعي باللغة والحقوق الثقافية الامازيغية، على اعتبار أن العمل الجمعوي الامازيغي بدا من الناحية الواقعية متواضعا في المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية. ومع ذلك تم التأكيد على أن هذه الحقوق، كغيرها من حقوق الإنسان الأخرى، كانت موضوع انتهاكات خطيرة خلال فترة ما يعرف بسنوات الرصاص.

ومن جهة أخرى، يبدو بان هذه الحقوق عرفت زخما مهما على الصعيد العالمي ابتداء من سنتي 1975 و1976، ولذلك كان المغرب معرضا بصفة مباشرة لضغوط الحركة الدولية التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى “الهامش الديمقراطي”، الناتج عن التفاعل مع المؤتمر الأوروبي للأمن والتعاون سنة 1975، ومع دخول العهدين الدوليين حيز التنفيذ، ومع سياسة دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تبنتها الولايات المتحدة أيام إدارة كارتر. كل ذلك سيدفع  المغرب إلى الانضمام للعهدين الدوليين لسنة 1966 في 1979ـ1980.

فعلى مستوى الحقوق الثقافية، التي أصبح يطالب بها بصوت مرتفع منذ هذا التاريخ، كانت هذه الأخيرة محددة بمقتضيات المادة 27 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية وبقواعد المعاهدات الدولية الأخرى، ولذلك ففهم الكيفية التي تعامل بها المغرب مع هذا الواقع يرتبط بتغيرات سياق نشأة هذه الحقوق. ويترتب على ذلك، بالنظر لأهمية هذا المعطى، أن المغرب عرف وما يزال يعرف لحظة ثالثة مجددة للانتباه الذي يعطى لحقوق الإنسان، إنها لحظة ما تزال مستمرة لحد الآن. ابتدأت مع عشرية تسعينات القرن الماضي واتسمت بانتشار الجمعيات بصفة عامة والجمعيات الثقافية الامازيغية خاصة. التضخم “الجمعياتي” هذا أدى إلى ارتفاع سقف مطالب عدد كبير من الجمعيات التي وجهتها نحو المطالبة بالاعتراف باللغة الامازيغية كلغة رسمية، بجانب اللغة العربية، وإدماجها المؤسساتي في أنظمة التعليم، التواصل وغيرها ….

من اجل فهم جيد للنصوص القانونية المنظمة للحقوق الثقافية الدولية والوطنية ومحتواها الاقتصادي، الاجتماعي واللغوي والتي تمتلك نوع من التأثير على المغرب، يبدو التذكير بالسياقات الدولية والوطنية التي كانت وراء نشأتها ضروريا. فهذا أمر لابد منه من اجل اكتشاف حقيقة وجودها.

بالإضافة إلى ذلك توجد صعوبة في دراسة الحقوق الثقافية ضمن أجيال الحقوق على المستوى الدولي، بالنظر إلى تداخلها التاريخي مع أسئلة السلطة، محاولات الهيمنة، ومع الأسئلة المرتبطة بتعميم نماذج محددة، أو بالأحرى فرضها بالقوة. وهو الأمر الذي يتجلى بوضوح على مستوى القانون الدولي، من وجهة نظر أولائك الذين رأوا في إعلان 1948 ترجمة بسيطة للقيم الثقافية  للقوى المهيمنة داخل الأمم المتحدة. نفس الموقف تكرر مرة أخرى مع العهدين لـ 1966 اللذان يجسدان التناقضات بين ثقافتي القوتين الدوليتين، ومع “النظام الدولي الجديد” و”العولمة”.

بناء على ما سبق، لا يبدو بان الحقوق الثقافية تمتلك مكانة مركزية داخل العمل القانوني المدني، بالنظر إلى أنها لم تحظى بفهم كافي وبمصداقية بين مختلف أنواع حقوق الإنسان. يجب الاعتراف أيضا بكونها لم تكن موضوعا للاهتمام إلا مؤخرا، فالعديد من الوثائق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تطرقت للحقوق الثقافية لم تقم بذلك إلا بطريقة مقتضبة وغالبا في نهاية النص، كما هو الأمر في العهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لهذا السبب تأخذ الحقوق الثقافية غالبا شكل حقوق غير مكتملة، لا تمتلك النضج الذي يؤهلها إلى أن تتحول إلى حقوق ذات طابع قانوني وواقعي ملزم، ومن تم فقد أدى إدماجها في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بدل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية  إلى إضعاف طابعها الملزم بشكل شديد، عبر تقديمها كمجرد برامج بسيطة، وتعهدات تفتقر إلى احترام الدول.

إضافة إلى الإطار القانوني الذي ينظم الحقوق الثقافية، توجد أيضا سياسات عمومية ثقافية غالبا ما تصاغ ضمنها الحقوق  الثقافية بطريقة عامة. ونظرا لتنوع تلك الحقوق فمن المفيد تحديد مضمون الحقوق الأكثر أهمية داخلها مثل الحق في التعليم، وفي المشاركة في الحياة الثقافية، وفي محاربة الأمية، وحقوق المؤلف، …الخ. وعلى أية حال، بدأت تأخذ الحقوق الثقافية من الآن فصاعدا أشكالا جديدة مثل حقوق الشرائح ذات الاحتياجات الخاصة، حقوق الشرائح المهمشة، حقوق الأشخاص المتقدمة في السن والعاجزة ….

وعليه يجب علينا أن نعترف بان الأجيال المتعاقبة لحقوق الإنسان تدور وتنظم حسب السياق التاريخي لظهورها، حسب مراحل كتابتها، ووفق منطق وظروف استقبالها، فمختلف أصناف الحقوق كانت دائما تطرح سؤال العلاقة بين مضامينها المتبادلة، أبعاد تقاطعاتها ودرجة تقييدها المتبادل.

خلال هذه الدورة الشتوية السادسة عشر، يتعين الوقوف وقفة معبرة من اجل تحديد طبيعة، ادوار ومختلف أبعاد أصناف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية، كما  يبدو من الضروري دراسة الديناميات المدنية/القانونية التي تتضمنها، بالإضافة إلى استكشاف التمفصلات الفعلية بينها.

وتوجد العديد من الأسئلة تحتاج إلى توضيح:

–         تحت أية زوايا تتكامل أو تتقوى؟

–         أين يمكن موضعة المتغير التابع والمتغير المستقل في تطور مختلف أجيال هذه الحقوق؟

–         ما هي أشكال تداخلاتها عبر الموافق والسلوكات الفعلية داخل السياسات العمومية ومن خلال المواقف السياسية؟

–         إلى أي حد يعد ذلك الاعتماد المتبادل أساسي، في قلب معضلة الحرية، في العلاقة مع اسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية؟  

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *