انتخابات 2026 التشريعية: الإطار القانوني لمعالجة المعطيات الشخصية في الحملات الانتخابية بالمغرب

د.حميد بحكاك* 

مقدمة

 الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 على الأبواب، والأحزاب السياسية تبدأ حملتها غير الرسمية من خلال البحث عن قاعدة انتخابية تصوت لها، مما يقتضي الحصول على معلومات الأشخاص وبياناتهم للاتصال والتواصل الانتخابي والسياسي، وهذا يطرح تخوفات حول طريقة معالجة هذه المعطيات من حيث مصدرها وتخزينها وحمايتها من التسريب واستعمالها لأغراض أخرى، وهل ستبقى هذه البيانات الشخصية في حوزة المرشح أو الحزب الذي يتوفر عليها بعد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج أم محوها وإتلافها كما ينص القانون، وهل تم جمع وتجميع هذه المعطيات وفق مقتضيات القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ومداولات وضوابط اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية في هذا المجال، في هذا المقال سنتطرق إلى الإطار القانوني، والتحديات والاحتياطات لمعالجة هذه المعطيات واستعمالها. 

أولا: في تعريف « معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي »  

عرَف القانون رقم 09-08 معالجة المعطيات الشخصية بأنها: « كل عملية أو مجموعة من العمليات تنجز بمساعدة طرق آلية أو بدونها وتطبق على معطيات ذات طابع شخصي، مثل التجميع أو التسجيل أو التنظيم أو الحفظ أو الملاءمة أو التغيير أو الاستخراج أو الاطلاع أو الاستعمال أو الإيصال عن طريق الإرسال أو الإذاعة أو أي شكل آخر من أشكال إتاحة المعلومات، أو التقريب أو الربط البيني وكذا الإغلاق أو المسح أو الإتلاف » (المادة 1)

وخلال الحملة الانتخابية بكل أنواعها التشريعية والترابية والمهنية والنقابية تلجأ الأحزاب السياسية أو اتحاداتها أو تحالفاتها والمنظمات المهنية والنقابية والمنتخبين أو المرشحين لمعالجة بعض المعطيات ذات الطابع الشخصي ( الاسم العائلي والشخصي ،العنوان…) الخاصة بالناخبين من أجل الاتصال بهم وحثهم على التصويت لفائدتهم، وبالتالي هذه المعالجة تخضع لمقتضيات القانون رقم09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. 

ثانيا: الإطار القانوني « القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي

صدر هذا القانون سنة 2009 في سياق وطني تشريعي تطبعه الحاجة إلى مواكبة التطورات التكنولوجية وتأطير استعمال وسائل الاتصال والتواصل من هواتف محمولة ولوحات إلكترونية واستعمال وسائط ووسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الالكترونية وترحيل الخدمات بين الدول (offshoring)، حيث تعالج المعطيات الشخصية وتبادلها بشكل مكثف.

وكذلك جاء هذا القانون لسد فراغ تشريعي في هذا المجال، فالقانون المغربي كان يتحدث سابقا عن « السر المهني » و »سرية المراسلات »، فجاء هذا القانون خصيصا « لحماية المعطيات الشخصية » و »الحياة الخاصة » للأفراد كحق من حقوق الإنسان الرقمية التي أصبحت تشكل التزاما دستوريا وقانونيا والتي يؤطرها الفصل 24 من الدستور المغربي بالإضافة إلى أن حماية المعطيات الشخصية ذات أهمية استراتيجية على المستوى الحقوقي والأمني والاقتصادي و السيبراني والسيادي للبلد في إطار السيادة الرقمية.

وإذا كان هذا القانون قد مرت عليه أكثر من خمسة عشر سنة فإنه في حاجة ملحة للتجديد والتطوير والتحيين لمواكبة سرعة التحولات والمستجدات الرقمية وتهديداتها (تصاعد التسريبات للمعطيات الشخصية، الذكاء الاصطناعي واستعمالاته المتعددة، الهجمات السيبرانية، تقوية صلاحيات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية ……).

ويشكل القانون  08.09 إطارا عاما يشمل كل معالجة للمعطيات الشخصية سواء في فترة الانتخابات والحملات الانتخابية أو خارجها بشكل عام، ونظرا لأهمية الحملة الانتخابية فيما يخص استعمال المعطيات الشخصية بكثافة  ( التبادل الإلكتروني للمعطيات الشخصية مع المرفقات والوثائق عبر الواتساب وغيره من الوسائل… ) ومن أجل تأطير الحملة الانتخابية والتواصل السياسي قبل وأثناء وبعد الانتخابات قامت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) بإصدار مداولة (Délibération )  تحت رقم 108-2015 سنة 2015، هذه المداولة خاصة بمعالجة المعطيات الشخصية في إطار التواصل السياسي وارتباطا بالانتخابات النقابية والحزبية.

ثالثا : المداولة عدد 2015-108 بتاريخ 2015/07/14 « المتعلقة بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي من طرف الأحزاب أو اتحاداتها أو تحالفاتها والمنظمات المهنية والنقابية والمنتخبين أو المرشحين لوظائف منتخبة لغرض التواصل السياس ».

تتوزع هذه المداولة على 12 مادة  تهدف إلى توضيح القواعد القانونية والإجراءات التي يجب على الفاعلين السياسيين الحزبيين اتباعها عند معالجة المعطيات الشخصية للمواطنين لأغراض التواصل السياسي والانتخابي، وكذلك تبسيط مسطرة  لدى اللجنة الوطنية (CNDP) نذكر من   هذه القواعد والإجراءات :

  1. النطاق والأشخاص المعنيون: تستهدف هذه المداولة الأحزاب السياسية، اتحاداتها، المنظمات المهنية والنقابية، وكذا المنتخبين أو المرشحين للمناصب الانتخابية، وتتعلق المعالجة بالمعطيات الخاصة بـالناخبين المؤهلين للتصويت وفق القوانين الجاري بها العمل.
  2. مصادر المعطيات المسموح بها والمحظورة

حددت المداولة المصادر التي يمكن من خلالها جمع المعطيات الشخصية للناخبين:

المصادر القانونية: المعطيات التي يتم جمعها مباشرة من الشخص المعني، أو تلك الخاصة بالأعضاء والمناضلين، أو المعطيات المستمدة من اللوائح الانتخابية وفق شروط محددة.

المصادر المحظورة: يمنع منعا كلاً استخدام الملفات التي أنشئت لأغراض غير التواصل السياسي، مثل ملفات الموظفين في الإدارات العمومية، أو ملفات الزبناء لدى الشركات، أو ملفات الاستقراء التجاري ( prospection commerciale).

كما يمنع على أي نقابة أو جمعية، أن تنقل المعطيات الشخصية لأعضائها، الى حزب سياسي أو الى مرشح راغب في استعمال هذه المعطيات لأغراض التواصل السياسي دون الحصول على الموافقة المسبقة للأشخاص المعنيين، كما جاء في المداولة.

وعند تبادل الرسائل القصيرة أو الإلكترونية يجب أن تتضمن كل رسالة في إطار التواصل السياسي، أرسلت بواسطة وسائل اتصالات الرقمية، المعلومات التالية: 

هوية المسؤول عن المعالجة (الاسم العائلي والشخصي)  

موضوع الرسالة؛ 

وسيلة للتعرض؛ (المادة 7 من المداولة )

  1. أنواع المعطيات وشروط المعالجة: يجب أن تقتصر المعطيات المجمعة على ما هو ضروري فقط (مبدأ التناسب)، وتشمل عادة: الاسم، النسب، تاريخ الميلاد، الجنس، العنوان، أرقام الهاتف، والبريد الإلكتروني، الفئة الاجتماعية والمهنية، وتعتبر الموافقة المسبقة للشخص المعني شرطاً أساسياً للمعالجة، باستثناء حالات خاصة مثل التواصل مع الأعضاء أو جهات الاتصال المنتظمة للحزب، حيث تعتبر الموافقة ضمنية.
  2. حقوق المواطنين (الأشخاص المعنيين): تؤكد المداولة على ضرورة احترام حقوق الأفراد، وهي:

أ.الحق في الإخبار: يجب إعلام الشخص بهوية المسؤول عن المعالجة والهدف منها.

ب.الحق في الولوج والتصحيح: يمكن للمواطن الحصول على معلومات حول بياناته وطلب تصحيحها أو مسحها.

ج .الحق في التعرض: يحق لكل شخص الاعتراض مجاناً على استخدام معطياته لأغراض التواصل السياسي.

  1. مدة الحفظ والأمن: شددت اللجنة على أن المعطيات التي يتم جمعها لحملة انتخابية معينة محددة يجب إتلافها فور انتهاء الاستحقاق الانتخابي المعني، كما يلتزم المسؤول عن المعالجة باتخاذ كافة التدابير التقنية والتنظيمية لضمان أمن وسرية المعطيات ومنع وصول الأغيار غير المرخص لهم إليها.

هذه أهم العناصر والمقتضيات التي تقوم عليها هذه المداولة، والتي تعد إطاراً مرجعياً يوازن بين حق الفاعلين الحزبيين في التواصل مع الناخبين وبين واجب حماية الحياة الخاصة للمواطنين ومعطياتهم الشخصية، مما يساهم في تخليق العمليات الانتخابية وحمايتها من التعسف في استخدام التكنولوجيات الرقمية الحديثة.

لا تحدد المداولة رقم 108-2015 بشكل صريح تفاصيل الغرامات المالية أو العقوبات الحبسية في حالة المخالفة، ولكنها تنص على أن أي معالجة للمعطيات لأغراض التواصل السياسي يجب أن تحترم بالضرورة أحكام القانون رقم 09-08 الذي يحدد العقوبات القانونية المطبقة في حال حدوث أي تقصير (الباب السابع من القانون).

والمخالفات التي تستوجب العقوبات:

استخدام مصادر محظورة: لا يجوز استخدام الملفات (تتضمن معطيات شخصية) التي أنشئت في الأصل لغايات غير التواصل السياسي، مثل ملفات الموظفين في قطاع عمومي أو ملفات الزبناء لدى شركة أو ملفات الاستقراء التجاري التي لم تجمع لغاية التواصل السياسي.

عدم إتلاف المعطيات: يجب إتلاف المعطيات الشخصية التي أُنشئت لاحتياجات حملة انتخابية معينة فور انتهاء الاستحقاق الانتخابي المعني، ولا يمكن استخدام هذه المعطيات للحملة التالية إلا إذا أعطى الأشخاص المعنيون موافقتهم.

غياب الموافقة: تتوقف معالجة المعطيات لأغراض التواصل السياسي على الموافقة المسبقة للشخص المعني، ويجب أن تكون هذه الموافقة حرة وواضحة، وفي حال إرسال المعطيات إلى أطراف ثالثة، يجب على المسؤول عن المعالجة تقديم دليل على هذه الموافقة عند أول طلب من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

عدم احترام حقوق المواطنين: يجب على المسؤول عن المعالجة ضمان احترام حقوق الأفراد في الإخبار، الولوج، التصحيح، والتعرض المجاني، على سبيل المثال، يجب استعمال الرسائل الإلكترونية كوسيلة ليعترض الشخص المعني على استخدام معطياته مستقبلاً.

التقصير في التزامات السلامة والسرية وأمن المعطيات: يلتزم المسؤول عن معالجة المعطيات باتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لضمان أمن وسرية المعطيات، ومنع وصول أطراف ثالثة غير مرخص لها إليها.

عدم التصريح بالمعالجة: يجب تبليغ اللجنة الوطنية (CNDP) بكل معالجة للمعطيات ذات طابع شخصي لأغراض التواصل السياسي، سواء عبر تصريح أو طلب ترخيص حسب الحالة.

هذه أهم المبادئ والضوابط والإجراءات والاحترازات التي نصت عليها المداولة فيما يخص التواصل السياسي في إطار الحملات الانتخابية، كما تجدر الإشارة إلى ضرورة تحيين هذه المدوالة التي صدرت عن اللجنة سنة 2015، فيما يخص استعمال الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة من أدوات الحملة الانتخابية من خلال انتحال هويات وصور مفبركة والتلاعب بالبيانات، وكلها تتغذى بالمعطيات الشخصية سواء من خلال تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (IA générative) بهذه المعطيات وانتحال الهويات.

خلاصة

تعتبر حماية المعطيات الشخصية أثناء الحملة الانتخابية واجبا دستوريا وقانونيا وأخلاقيا، فبالإضافة إلى واجب التسجيل في اللوائح الانتخابية كتعبير عن الرغبة في المشاركة المواطنة، فإن العملية الانتخابية منذ التسجيل والترشيح والتصويت والمشاركة في الملاحظة الانتخابية إلى إعلان النتائج، ينبغي أن تمارس في إطار حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة للمواطنين والناخبين كحق من حقوق الإنسان الرقمية، وضابط من ضوابط القيام بحملة انتخابية نظيفة وقانونية لا تشوبها شائبة.

*باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة 

A propos CERSS مركز الدراسات 352 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*