
أصدر مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والمنتدى المدني الديمقراطي المغربي تقريرهما المشترك حول ملاحظة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026. التقرير لا يقدم حكما سياسيا على الفائزين أو الخاسرين، بل يوثق سير العملية من زاوية مدنية مستقلة: السياق، الإطار القانوني، الحملة، يوم الاقتراع، حضور النساء والشباب، والتحول الرقمي الذي بات يحدد جزءا كبيرا من التنافس.
الوثيقة تأتي ضمن مسار تراكمي بدأته الهيئتان منذ انتخابات 2007. وتؤكد أن الملاحظة ليست تدخلا في المنافسة ولا دعما لأي طرف، بل تتبعا ميدانيا لسير العمليات وتوثيقا للوقائع وتقييما لمدى احترام القواعد الدستورية والقانونية والمعايير الدولية.
انتخابات في عالم مضطرب وسياق داخلي مثقل
يضع التقرير الاستحقاق في بيئة دولية وإقليمية أشد تعقيدا من انتخابات 2021: أزمات متراكبة في الطاقة والأمن والغذاء، حرب أوكرانيا، حرب غزة، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط والساحل. ويرى أن الحكومة المقبلة لن تدير فقط ملفات داخلية، بل شبكة متداخلة من الالتزامات الخارجية، من الشراكة مع الولايات المتحدة وأوروبا إلى المبادرة الأطلسية والامتداد الإفريقي.
داخليا، يصف التقرير اللحظة بأنها اختبار رباعي: تدبير الوحدة الترابية، تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية ملموسة، وإعادة هيكلة الفضاء الحزبي وإنتاج نخب جديدة. الانتخابات، بحسب القراءة، لا تنتج فقط أغلبية وحكومة، بل جزءا من شرعية المؤسسات.
على المستوى القانوني، شهدت المنظومة مستجدات بارزة: توسيع موانع الترشح ليشمل المدانين بأحكام ابتدائية في جرائم ماسة بالشرف، تسقيف الإنفاق الرقمي والحزبي، إلزام التصريح المسبق بالمنصات الرقمية، وسم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، وتشديد العقوبات على المخالفات الرقمية. كما حُصرت المقاعد الجهوية التسعون في النساء فقط، مع الإبقاء على إمكانية ترشحهن في الدوائر المحلية.
اللجنة الخاصة لاعتماد الملاحظين اعتمدت 26 جمعية ومؤسسة وطنية و30 هيئة دولية، بما مجموعه 3006 ملاحظين وملاحظات. أما الهيئتان المعدّتان للتقرير فعبّأتا فريقا ميدانيا ضمن هذا الإطار، مع التأكيد على الطابع التطوعي لملاحظتهما.
حملة هادئة في الشارع، صاخبة على الشاشات
انطلقت الحملة في 10 شتنبر وانتهت منتصف ليل 22 شتنبر. شاركت 27 حزبا، وتقدمت 1850 لائحة تضم 7288 مترشحا، بينهم 2658 مترشحة (36.47 في المائة). الهيئة الناخبة بلغت نحو 15.8 مليون مسجل.
رصد الملاحظون 500 حالة موزعة على 12 جهة. أبرز الخلاصات الميدانية:
- استمرار الملصقات والتجمعات، مع تسجيل تعليق في أماكن غير مخصصة وإتلاف بعض الإعلانات وضعف حضور الأمازيغية في الوسائط.
- إفادات عن استعمال بعض الممتلكات والوسائل العمومية لفائدة لوائح، خاصة سيارات وممتلكات جماعات ترابية.
- عدم تسجيل معاينات واضحة لتدخل إداري مباشر لفائدة مترشح في الإجابات الصالحة، مع التأكيد أن غياب المعاينة لا يعني بالضرورة غياب الممارسة.
- محور الهبات والتبرعات برز بقوة: نسبة مهمة من الملاحظين أبلغت عن محاولات التأثير على التصويت بالمنافع.
- بعض التوتر والعنف اللفظي أو المادي، وأنشطة انتخابية داخل مؤسسات أو أماكن عبادة في حالات محدودة.
- حملة أقل صخبا ميدانيا من استحقاقات سابقة، مقابل ثقل رقمي متزايد.
في الفضاء الرقمي، باتت واتساب وفيسبوك وتيك توك وإنستغرام ساحات المعركة الأساسية. التقرير يحذر من «الذباب الإلكتروني»، الحسابات الوهمية، التضليل، والتزييف العميق. ويشير إلى تحقيقات سابقة وثقت شبكات منسقة لتضخيم سرديات معينة. كما يلفت إلى صعوبة الرقابة على المجموعات المغلقة في واتساب، الذي يستخدمه نحو 83 في المائة من المغاربة.
قراءة برامج ستة أحزاب كبرى (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، العدالة والتنمية، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية) أظهرت إجماعا واسعا حول القدرة الشرائية والصحة والتعليم والتشغيل، وانقساما أعمق حول سؤالين: هل الدعم حق تلقائي أم تعاقد مشروط؟ وهل يخصص الحزب محورا مستقلا للسياسة الخارجية؟ حزبان فقط، العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، قدما تصورا صريحا في هذا الباب، بما في ذلك موقف واضح من القضية الفلسطينية ورفض التطبيع.
يوم الاقتراع: سير عام عادي وملاحظات متكررة
يوم 23 شتنبر جرى الاقتراع في ظروف وُصفت عموما بالعادية في عدد كبير من المكاتب. غير أن الملاحظين سجلوا صعوبات في الولوج ببعض المواقع بسبب الخلط بين صفة الملاحظ وممثل الحزب، وطلبات وثائق إضافية رغم بطاقات الاعتماد.
كما رُصد تفاوت في ولوجيات الأشخاص في وضعية إعاقة، واستعمال هواتف داخل بعض المكاتب، وحضور رجالي أوضح ضمن أعضاء مكاتب التصويت في العينات المعاينة، وتوترات في محيط بعض المراكز، ومقاطع متداولة رقميا تظهر تصوير أوراق التصويت داخل العازل، بما يثير شبهة استخدامها لإثبات صفقة انتخابية.
التقرير يميز بدقة بين المعاينة المباشرة والإفادة والتداول الإعلامي، ويرفض تحويل واقعة محلية إلى حكم وطني.
نساء أكثر عددا، شباب أقل تمثيلا
النساء يمثلن 46 في المائة من الهيئة الناخبة المسجلة. ارتفع عدد المترشحات إلى 2658، منهن 1783 في اللوائح الجهوية المخصصة للنساء و875 في الدوائر المحلية. لكن اللوائح المحلية التي ترأستها نساء لم تتجاوز 121 من أصل 1615، أي نحو 7.5 في المائة. التقرير يسأل إن كانت آليات التمييز الإيجابي كافية أم أنها تحتاج شفافية أكبر في التزكية والموارد والترتيب داخل اللوائح. كما وثّق عنفا سياسيا ورقميا استهدف مرشحات قبل الحملة الرسمية وخلالها.
الشباب بين 18 و34 سنة لا يتجاوزون نحو 19 في المائة من المسجلين (4 في المائة فقط بين 18 و24 سنة). الترشيحات المستقلة ظلت محدودة جدا: لائحتان فقط، دون استفادة فعلية من آلية دعم لوائح الشباب دون 35 سنة. في المقابل، قضايا الشباب حاضرة بقوة في الخطاب والبرامج والمنصات، بما يخلق مفارقة: استهداف انتخابي كثيف وتمثيل فعلي ضعيف.
المشاركة: 38.02 في المائة وسؤال الثقة
بلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة، أي نحو 6 ملايين صوت من أصل 15.8 مليون مسجل، وهي أقل من نسبة 2021 مع مراعاة أن تلك السنة جمعت استحقاقات تشريعية وجماعية وجهوية. التقرير يربط الإحجام بتراجع الثقة في الوساطة الحزبية، وتحول أنماط المشاركة، وربما أيضا بانخفاض المعدلات العالمية للتصويت.
خلاصات التقرير: الملاحظة تحتاج تجديدا والرقابة تحتاج أدوات رقمية
أبرز التوصيات والاستنتاجات:
- مأسسة الملاحظة إيجابية، لكن العراقيل الميدانية قد تفرغها من مضمونها إن لم تُراجع أساليب الاستقلال والصلاحيات وأدوات العمل.
- الخروقات التقليدية لم تختفِ (المال، الهدايا، الحملات في فضاءات محظورة)، وبرزت معها خروقات رقمية: أخبار زائفة، تشهير، ومحتوى مولَّد بالذكاء الاصطناعي. النيابة العامة سجلت شكايات رقمية خلال شتنبر.
- حياد الإدارة بدا مؤسسيا في الإطار الرسمي، لكن تكافؤ الفرص يظل موضع تساؤل بسبب تفاوت الموارد واستغلال النفوذ الترابي.
- التحول الرقمي وسّع الوصول وقلّص كلفة التواصل، لكنه سطّح الخطاب وسهّل التضليل، ولم يتحول بالضرورة إلى مشاركة فعلية في صناديق الاقتراع.
- شبهات شراء الأصوات موضوع متكرر منذ 2007، ويستدعي رقابة أسرع وأكثر شفافية على التمويل ومعالجة الشكايات.
ملحق النتائج التفصيلية للملاحظة لم يكتمل بعد عند تحرير التقرير، إذ كانت الاستمارات ما تزال ترد. غير أن الصورة العامة واضحة: عملية انتخابية جرت في إطار قانوني ومؤسساتي قائم، بحملة مختلطة بين الميدان والمنصات، بمشاركة محدودة، وبتحديات قديمة أعادت الرقمنة إنتاجها بأشكال أسرع وأصعب رصدا.
التقرير يختم بأن قيمة الملاحظة لا تقاس بعدد الملاحظين فقط، بل بجودة التوثيق وموضوعية التحليل وقدرتها على إغناء النقاش العمومي. المهمة، كما صاغتها الهيئتان، تبقى الملاحظة لا التدخل، والتوثيق لا التأثير، والتحليل لا الحكم المسبق.
Soyez le premier à commenter