التجربة المغربية في الأقاليم الصحراوية

استرجاع الأقاليم الصحراوية ضمن سياق سياسي سلطوي

تم استرجاع الأقاليم الصحراوية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ضمن سياق سياسي دولي خيم عليه التجاذب الإيديولوجي بين المعسكر الغربي و الشرقي من جهة و سياق داخلي اتسم بتجدر السلطوية التي اعتمدت خيار بناء الدولة على حساب الحريات العامة و الديمقراطية.

في هذا السياق يمكن التأكيد على أن السلطوية كانت بشكل أو بأخر سببا في أن يأخذ النزاع منحى عسكريا دام لأزيد من عقدين من الزمن. ذلك لأن استرجاع الأقاليم الصحراوية من طرف المغرب قد تم وفقا لمنطق سياسي أبوي محض، باعتبار سكان هذه المنطقة أبناء و إخوة للمغاربة فرق بينهم الاستعمار لفترة. و من ثم كان لزاما عليهما وصل الرحم كضرورة أخلاقية و دينية لا يمكن التخلي عنها.

إذ من المعلوم أن السلطوية هي نظام للحكم يقوم في الأساس على ايديولوجيا توحيدية للدولة و مؤسساتها وفقا لتصورات سياسية وأخلاقية تقصي مسبقا جميع مظاهر التعدد السياسي و الثقافي و الجغرافي، التي تعتبر خطرا حقيقيا على استقرار و وحدة أركانها. من هذا المنطلق فإن وحدة الدولة و الأمة و الشعب و الوطن … تصبح شعارات سياسية يتم أجراتها عبر آليتين رئيسيتين هما : قمع التعدد السياسي و الثقافي و المجالي، و اتباع سياسات عمومية إدماجية تروم توحيد المجتمع على منوال وحدة الدولة و القائمين بأمرها.

هذا يعني أن السياق السياسي الذي تم فيه استرجاع الأقاليم الصحراوية كان مطبوعا بمنطق توحيد الأمة و مجالها الترابي على حساب الديمقراطية و الحريات الأساسية للمواطنين من جهة و على تصور مثالي للتنمية يقوم على تسريع و وثيرة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية بما يسمح بتقليص الفوارق المجالية في الدولة ضمن نطاق الوحدة الوطنية

المجهودات المبذولة لتحديث الأقاليم الصحراوية

في هذا السياق يمكن القول ان الدولة قد عمدت، منذ استرجاع الأقاليم الصحراوية، إلى ضخ استثمارات عمومية هائلة فيها رغم الأزمة الاقتصادية اتي كانت تمر بها في بداية الثمانينيات و اعتمادها سياسة ضبط النفقات العمومية منذ سنة 1983 ضمن ما سمي بسياسة التقويم الهيكلي للاقتصاد الوطني. إذ لوحظ ن الدولة قد لجأت إلى سياسة حرق المراحل عبر التحديث الاقتصادي و الاجتماعي السريع لهذه المناطق في أفق موازاتها مع باقي المناطق من حيث مؤشرات التنمية البشرية و الاجتماعية،خصوصا و أنها كانت تعاني من عجز تنموي شامل .

و لعل تبني الدولة للسياسات عمومية إرادية قد كانت سببا مباشرا في جعل هذه المناطق، في أقل من عشر سنوات، تتجاوز باقي الجهات و الأقاليم من حيث وثيرة التحديث و معدلات التنمية البشرية التي فاقت المعدلات الوطنية 0,729 مقارنة مع 0,672 . كما اصبحت بها معدلات الحياة تتجاوز المعدل الوطني بثلاث نقاط، 74,8 مقارنة مع 71,8 سنة على الصعيد الوطني. و يمن ملاحظة نفس الشيئ في مجال التعليم، حيث تصل نسبة التمدرس في المناطق الصحراوية الى ما يناهز 100 % منذ سنوات فيما لا تتجاوز هذه النسبة 96 % على الصعيد الوطني.

وقد ساهمت السياسات العمومية المتبعة من قبل الدولة أيضا في تقليص نسب الفقر و الهشاشة بين الساكنة المحلية، حيث تراجع من 29,4% إلى 9,6 % . كما تضاعف معدل الدخل الفردي منذ سنة 1975 حيث كان اكثر من 50 % من السكان يعيش تحت عتبة الفقر. أضف على هذا كله أن معدل النمو في هذه الأقاليم تعد من أعلى المعدلات على الصعيد الوطني .

من هذا المنطلق يمكن الجزم أن سياسات التحديث الاقتصادي و الاجتماعي المتسارع التي تبنتها لدولة منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي قد اعطت ثمارها من الناحية الاقتصادية، إلا أن ذلك لم يواكبه اندماج اجتماعي و ثقافي و مجالي كما كان منتظرا.

إذ ظلت هذه المناطق تحت الرعاية الأبوية للدولة على حدود الآن ، الشيء الذي دفع المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي أن يقر في تقريره الأخير أنه بالرغم من كل الجهود التي قامت بها الدولة و الاستثمارات الهامة التي تم ضخها في المنطقة فإن هذه الأخيرة لم تشهد إقلاعا اقتصاديا حقيقيا يسمح لها بالمساهمة في الاقتصاد الوطني بشكل فعال، حيث ظلت الدولة المساهم الرئيسي في الناتج الداخلي الخام بأكثر من 54 %. ناهيك عن كون الوضع الاقتصادي في المنطقة يتميز بهيمنة اقتصاد الريعي الذي يشكل عائقا حقيقيا أمام المنافسة و الانتاج الاقتصادي. إذ يظهر ذلك جليا من خلال مستويات البطالة التي تصل إلى 15 % مقابل 9 % على الصعيد الوطني.

تأسيسا على ذلك عمدت الدولة على إعادة النظر في سياساتها تجاه الأقاليم الصحراوية، تماشيا مع الديناميكية السياسية و الاقتصادية التي أعقبت تولي الملك محمد السادس العرش.

نحو سياسات عمومية جديدة بالأقاليم الصحراوية

يلاحظ أن عملية إعادة النظر في السياسات العمومية في الأقاليم الصحراوية قد تمت ضمن محطتين أساسيتين:

الأولى مع تقديم مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية الذي يؤسس لتصور سياسي جديد للدولة تجاه المنطقة و الثانية مع التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي الاجتماعي و البيئي الذي يستشرف نموذجا تنمويا جديدا بها.

مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية

يعد هذا المشروع مؤشرا حقيقيا على رغبة الدولة في تجاوز مقارباتها البتريمونيالية في التعاطي مع المشاكل المتعلقة بتدبير الأقاليم الصحراوية التي استنفذت مشروعيتها بالنظر إلى الأعباء الثقيلة المترتبة عليها من الناحية السياسية و الادارية في المنطقة. و يمكن التأكيد على أن هذا امشروع يعد مدخلا جادا نحو تحقيق حل عادل و نهائي للنزاع القائم مع جبهة البوليساريو بالنظر لكونه يكفل لها و لجميع الساكنة بالمنطقة المساواة و الحق في تدبير حر لشؤونهم المحلية عبر هيئات تشريعية و تنفيذية منتخبة بشكل حر و ديمقراطي ، تتمتع بصلاحيات حصرية في جميع المجالات، ناهيك عن استفادتها من الموارد و الدعم و الخبرات المركزية في إطار مبدأ التضامن الترابي و المجالي بين كل جهات الوطن. و يستثنى من هذه الصلاحيات، كل المجالات المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمن الوطني و الوحدة الترابية و النظام القضائي للمملكة.

إذ من شأن هذه المبادرة اذا ما تم قبولها من طرف جبهة البوليساريو ان تحدث ثورة حقيقية في الهندسة الترابية و المؤسساتية للدولة، حيث أن الدولة ستنتقل مباشرة من شكلها اليعقوبي المركزي الى شكل الدولة الجهوية التي تعترف بالتعددية الترابية و المجالية و الثقافية ، ضمن نطاق وحدتها اغير قابلة للتجزيء.

المقاربة الجديدة للتنمية في الأقاليم الصحراوية

تظهر المقاربة الجديدة للتنمية في الأقاليم الصحراوية ضمن التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي الصادر في اكتوبر 2013 الذي يروم تأسيس نموذج تنموي جديد في المنطقة عبر إحداث قطيعة حقيقية مع الأساليب السابقة القائمة على الريع و على اعتماد استراتيجيات تنموية غير متجانسة و قصيرة المدى. 1 وتقوم هذه القطيعة أساسا على المبادئ التالية :

  1. التنمية البشرية الادماجية المستدامة،
  2. اشراك الفاعلين و الساكنة المحليين في إعداد السياسات العمومية الجهوية،
  3. احترام الحقوق الأساسية للمواطنين ،
  4. دعم مكانة الدولة و مؤسساتها.

و تصب هذه المبادئ كلها في اتجاه تحقيق الأهداف التالية:

  1. استعادة الثقة بين الدولة و المجتمع المحلي،
  2. مكافحة الهاشاشة ا لاجتماعية للساكنة،
  3. تدبير مستدام و منصف للموارد الطبيعية،
  4. دعم الثقافة الحسانية باعتبارها رافعة للتنمية المحلية،
  5. فك العزلة عن الأقاليم الجنوبية….

التحديات المطروحة

يبدو أن صيرورة التنمية المجالية في الأقاليم الصحراوية من شانها أن تطرح العديد من الإشكالات المتعلقة بطبيعة المنطقة و بعلاقاتها مع باقي التراب الوطني. و من بين التحديات المطروحة في هذا الشأن :

  • الخروج من منطق الصراع إلى منطق التنمية المستدامة و العادلة في المنطقة الذي يعتمد أساسا على الثقة المتبادلة بين الدولة و الساكنة، ضمن سياق دولي و إقليمي يتسم بالعداء للوحدة الترابية للمملكة،
  • تجاوز العجز الحاصل في عملية التفاوض مع الانفصاليين و مع الجزائر قصد إقناعهم بجدوى و بفعالية مشروع الحكم الذاتي في الصحراء. حيث يلاحظ إلى حدود الساعة غياب التجاوب مع المقترح المغربي رغم كونه يشكل حلا يتيح الربح لجميع الأطراف لكونه يسمح للنخب الانفصالية بتحقيق أهدافها المتعلقة بممارسة السلطة بشرط الاحتكام إلى القواعد الديمقراطية للانتخابات. كما يسمح للساكنة المحلية بتحقيق مطلبها المتعلق بحقها في تسيير شؤونها المحلية بشكل ذاتي و حر. بالإضافة إلى تمكين المغرب من تحقيق مطلبه الثابت المتعلق بوحدته الترابية. و يوم منطق الربح هذا يقوم على مبدأ التفاوض المباشر و الصريح بين الأطراف حول حجم الربح و الخسارة في الذي سيلحقهم في كل السيناريوهات المحتملة لتحقيق حل نهائي للنزاع القائم.
  • التسريع بوثيرة الانتقال نحو الديمقراطية و الجهوية كرهان استراتيجي من شأنه خلق مناخ لبناء الثقة بين الدولة و المجتمع الحلي يسمح بإضفاء مشروعية اكبر للمبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي في الصحراء.
  • تحقيق تنمية بشرية مستدامة و عادلة في المنطقة تسمح بإشراك المواطنين المحليين في مسلسل التحديث الاجتماعي و الاقتصادي بما يتيح مشروعية أكبر لمجمل السياسات العمومية في المنطقة.

1 انظر تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي حول “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية” 24 أكتوبر 2013 ص ص 17 -21.

A propos CERSS مركز الدراسات 125 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire