Feu Jean-Michel Caudron

رحم الله رجلا كان يُؤْمِن بأهمية المعرفة، ويسعى لاستحضار صوت المواطنين في بناء ديمقراطي للسياسة. كان جون ميشل كودرون أحد المتحمسين لتحقيق الزّخم والدفع نحو موازاة صوت القاعدة مع إرادة القمة داخل شتّى مؤسسات مجلس أوروبا وخارجها. التقيتُه أوّل مرّة في ندوة في تارودانت نظمها صديقنا المشترك عبد العزيز سارت. كان خلال الجلسات يناقش ويجادل بحصافة من يعرف كُنْهَ تنوّع الثقافات وحوار الحضارات. وفي المساء، يطرب للموسيقى المغربية وينساب في رقصه معها إلى حدّ “الجدبة” بما ينمّ عن روحانيته العميقة وانسيابيته وتوغّله في ثنايا الثقافة المغربية وبساطة البسطاء من المغاربة. كان يتردّد على المغرب بين ندوة وأخرى، فكان “شرقيا” في الغرب، و”مغربيا” في حميميته وعلاقات الودّ التي جمعته بكثير من الأصدقاء بين جنوب وشمال البحر المتوسط. ذات يوم وأنا ألقي محاضرتي في مجلس أوروبا في يونيو 2017، كان واحدا من ثلاثة أشخاص عبّرت لهم عن تقديري الجمّ. فقلت أمام قاعة مليئة بقرابة ثلاثمائة شخص من نشطاء المجتمع المدني من شتى أطراف أوروبا:

” I would like to recognize Jean-Michel Caudron who is known to many of you and has made with several important initiatives; I am proud to be your friend…”

كان جون كلود أوروبيا في الصّميم، وكان أيضا مغربيا حتى النّخاع. مثقّف عميق الاطلاع ومتحدّث وكاتب بلغة فرنسية راقية. لكنّه لم يتحمّس قط للاعتداد بالنفس على “الطريقة الفرنسية”، بل كان ممعنا في البساطة: بساطة المزاج، وبساطة المظهر، وبساطة التعامل مع الآخرين. كان بعض أصدقائه يُحرجونه أحيانا بضرورة التخلّي عن لحيته الغثّة ومظهره “الهيبي” كأنّه يحنّ دوما إلى مزاج السبعينات وثقافة اليسار اللامبالي. ذات مساء قبل حضور حفل استقبال أقامته بلدية ستراسبورغ على شرف المشاركين في الندوة في مجلس أوروبا، كان لي نجاح غير متوقّع لم يتحقّق لغيري من أصدقاء جون كلود: أقنعته بحلق لحيته، وارتداء قميص مكوي وربطة عنق، وكأنها ثورة أناقة في حيّ الدراويش. ولم أتوقع وقتها كيف سيصبح حضوره بهذا المظهر الجديد حديثا تسير به الركبان، ومثار إعجاب وحتى غزل كثير من السيدات في الحفل. فقرّرت أن آخذ أكثر من صورة لهذه المناسبة “التاريخية”: خروج جون كلوك من نادي “الهيبيين” واحتفاء Sabine Rohmann نائبة مدير معهد روبير شومان من أجل أوربا بهذا المفاجأة السارة. واليوم أعود إلى هذه الصور التي لم تختف من هاتفي الذكي على خلاف صور مناسبات أخرى توارت خلف النسيان.

يرحل المرء، وتبقى روحه وقيمته الإنسانية تبتسم في وجوه أصدقائه. فارقد يا جون كلود في مثواك الأخير، واعلم أنّ ثمة قلوبا وأدعية مغربية تصلّي على روحك وتستديم تلك الابتسامة بعد رحيلك…!

Please follow and like us:
error0

Laisser un commentaire