ندوة دولية: القيم والمؤسسات الديمقراطية، ما الذي غيرته انتفاضات 2011؟

طنجة في 25-26 أكتوبر 2019

تنطلق هذه الورقة من فكرة أساسية مفادها أن النظام الديمقراطي مشروط من جهة بوجود بنيات مؤسساتية تتجلى بالأساس في المؤسسات الديمقراطية المبنية على فكرتي التفويض والتمثيل، ومن جهة أخرى بمنظومة من القيم التي تحكم العلاقات بين الفاعلين وتؤسس لسلوكاتهم، ولذلك فكل نظام سياسي لا يتميز بوجود نظام قيم يتيح ممارسة “لعبة” السلطة بشكل سلمي، لا يمكن أن يؤسس لديمقراطية مستقرة (Lipset 1959). لاشك أن ثنائية المبنى (المؤسسات) والمعنى (القيم والثقافة) تحضر بشكل مستمر كخلفية للتفكير في سؤال الديمقراطية بشكل عام منذ كتاب “روح القوانين” لمونتسكيو، ومنذ ظهور مبحث الدراسات الديمقراطية بشكل خاص، سواء عند الباحثين المؤسسين أمثال Almond, Verba, Lipset الذين أكدوا على أهمية البعد الثقافي في عملية التحديث السياسي وبناء النظام السياسي الديمقراطي، أو عند غيرهم من الباحثين أمثال Inglehart (1997 و Welzel 2005 ( الموقف إزاء الديمقراطية كأداة لقياس الطلب على التغيير)، أو Ticchi, Verdier, Vindigm 2013 الذين اهتموا بعملية التفاعل بين عملية تشكل القيم في إطار التنشئة الاجتماعية وعملية إصلاح المؤسسات السياسية.

انطلاقا من التراكم النظري والمنهجي الذي خلقته هذه الأبحاث وغيرها تتوخى هذه الندوة المساهمة في عملية تقييم أولي لطبيعة التحولات التي أسفرت عنها الموجة الأولى من الانتفاضات العربية لسنة 2011 ، وذلك من منظور علاقة التأثير المتبادل والتكامل المفترضين بين المؤسسات الديمقراطية ونظام القيم الديمقراطي. 

وبناء عليه فإن هذه الورقة تنطلق من افتراضين أساسين: أولهما أن فعل الاحتجاج المؤسس للانتفاضات يمثل لحظة حاسمة وتحولا نوعيا في طريقة تمثل الأفراد (المحكومين) للسلطة ولطبيعة العلاقة مع من يمارسها (الحكام) وهو بذلك يشكل مؤشرا على بداية تحول الاتجاهات العميقة deep trends للثقافة السياسية السائدة في هذه المجتمعات ( من الرعية إلى المواطنة، من القبيلة الى الدولة، من سطوة الجماعة الى إنعتاق الفرد…)، غير أن هذه التحولات قد لا تكون كافية لإحداث قطيعة مع نظام القيم المؤسس للسلطوية والتأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي ( حالة مصر مثلا). أما الافتراض الأساسي الثاني فمفاده أن الأثر الديمقراطي (democratizing effect) للانتفاضات 2011 لايمكن قياسه اعتمادا على المعيار المؤسساتي الشكلي فحسب ( الذي يختزل عملية الدمقرطة في الانتقال المؤسساتي أي الانتخابات وبناء مؤسسات جديدة منتخبة) بل كذلك اعتمادا على المعيار الثقافي القيمي المؤسس لسلوك الفاعلين ونمط تفاعلهم داخل المؤسسات. من هذا المنظور يمكن القول أن  احتجاجات 2011 لم تنطلق من فراغ، بل داخل/وفي تفاعل مع بنيات/مؤسسات نظام اجتماعي قائم تشكل مؤسساته خزانا للخبرات والتجارب التي راكمتها هذه المجتمعات على مدار القرون الماضية، وبالتالي فلاشك أن هذا التراكم ساهم في التأسيس لنوع من “العقل السياسي الجمعي” الخاص بكل مجتمع، والذي يتمظهر من خلال مختلف أشكال وأنماط تفاعل مكونات وقوى المجتمع فيما بينها وفي علاقتها بمحيطها. ولعل هذا ما يفسر، من ثمة، اختلاف وتعدد مسارات التحول في مرحلة ما بعد 2011 بحسب اختلاف وتعدد مخزون الخبرات والتجارب التي راكمتها هذه المجتمعات والتي تحدد مضمون وخصائص العقل السياسي الجمعي وآليات اشتغاله وطريقة تفاعله ( الثورة، الثورة المضادة، الحفاظ على الوضع القائم، اعتماد ما يسمى بالطريق الثالث للإصلاح …الخ). من هنا فإن تقييم تحولات العلاقة بين المؤسسات والقيم في مرحلة ما بعد 2011 لا يمكن أن يتم دون استحضار أشكال ومدى تأثير الانتفاضات في مؤسسات النظام الاجتماعي القائم (وبالتالي العقل السياسي الجمعي) وطريقة تفاعل هذا الأخير مع الطلب على التغيير من أسفل ( فرضية الدولة العميقة، مقاومة التغيير، تحولات دور الدين كمؤسسة اجتماعية…إلخ).

انطلاقا من هذين الافتراضين الأساسيين، وبناء على التراكم المعرفي والمنهجي في مجال الدراسات الديمقراطية، تقترح هذه الندوة الدولية على الباحثين تقديم مشاريع أوراق علمية حول إشكالية البعد القيمي الثقافي للتحولات التي شهدتها دول شمال إفريقيا (مصر، ليبيا، تونس، الحزائر، المغرب، وموريتانيا) في مرحلة ما بعد انتفاضات 2011 (مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الاخيرة في الحالة الجزائرية التي يمكن اعتبارها -إلى جانب السودان- مؤشرا يعزز فرضية اندلاع موجة ثانية من الانتفاضات). ويمكن تقديم مقترحات في المحاور غير الحصرية التالية:

القيم والانتخابات: إلى أي حد ساهمت الانتخابات في مرحلة ما بعد “الربيع العربي” في تجذير الديمقراطية والانتقال من الفهم الأداتي للديمقراطية إلى تمثلها كنظام قيم مؤسس لنمط سلوك معين (قيم الاختلاف، التسامح، قبول الاخر، حرية الاختيار…إلخ).

القيم ومأسسة الممارسة السياسية: إلى أي حد ساهمت الانتخابات التي نظمت في سياق الانتفاضات العربية في مأسسة الممارسة السياسية؟ ( من الشخص إلى المؤسسة). 

الاحتجاج وتحولات نظام القيم لدى الفاعلين : هل يتعلم الفاعلون من الصراع السياسي؟ هل يمكن رصد بعض ملامح التحول في سلوك الفاعلين بفعل الدروس المستخلصة من الصراع وطريقة تدبيره بشكل يجعلهم أكثر تشبعا بالقيم الديمقراطية؟

القيم والعلاقة مع الدين: هل/كيف أثر صعود الإسلاميين إلى السلطة/الحكومة في الخطاب الديني وطريقة توظيفه في السياسة ؟ إلى أي حد أدى فشل الإسلاميين في الحفاظ على السلطة/الوصول اليها الى نزع الطابع السحري عن الخطاب الديني وتحجيم دوره في التسويغ والشرعنة؟ ما تأثير ذلك (إن ثبت هذا الافتراض) على تبيئة الديمقراطية في مجتمعات “الربيع” وعلى دور الدين كأحد المصادر  الأساسية  لنظم القيم السائدة فيها؟

يرجى من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية الراغبين في المشاركة في الندوة إرسال ملخصات الاوراق المقترحة في أجل أقصاه 7 يوليوز 2019 على أن يعلن عن المقترحات المقبولة من طرف اللجنة العلمية بتاريخ 10 يوليوز 2019.

Please follow and like us:
error0

Laisser un commentaire