* تدارك الفجوة الرقمية ممكن

المرحوم ذ. محمدالعربي المساري

في اواخر الثمانينيات كان يروج بكيفية غامضة.ولكن بإلحاح أن العالم يبقى كما كان من قبل زلزال الاتحاد السوفياتي. وتم التكهن بأن الاقتصاد الذي كان يقوم على الموارد الطبيعية. سيعرف أسلوبا جديدا للعمل مبنيا على انتقاء الحدود، وأن إنتاج الثروة سيقوم على اللامادة.

بدأ المغرب يتساءل في حيرة، ويتطلع إلى الانخراط في اللحظة التي كانت البشرية كلها بصدد تدشينها. والشيء الوحيد الذي ظهر بوضوح هو أن تقنيات الاعلام كانت تتهيأ لكي تلعب دورا أساسيا، وظهر بوضوح أن تكنولوجيا الاعلام هي بطبيعتها محررة تدفع إلى التفكير بالجديد وإباحية، تجعل المنع ممنوعا، وإلى جانب ذلك فهي توسعية لا حيلة أمام حركيتها لتضاريس القوانين ولا الجغرافيا ولا المذاهب، ومع هذا وذاك فإنها، والكلام دائما عن تكنولوجيا المعلومات تحطم الأسعار باستمرار، لأن مبرر حركيتها هو أن تمنح مباهجها لكل الجيوب وأخيرا فإنها تعادلية لا تقيم حسابا للفروق بين المتلقين والمستعملين، من حيث مداخلهم وأعمارهم ومواطنهم، حتى أنه لم يعد هناك مركز وهامش وأقاليم قريبة وأخرى نائية وظهرت العبارة الساحرة العالم قرية.

خوصصة الاتصالات كانت هي الأوج

ولم يفاجأ المغرب بتلك الإشكالية، لأن الاستعداد للانخراط في تلك اللحظة. كان قد بدأ بمناقشة ضافية عن اقتصاد السوق، وبالذات بإصلاح القطاع العمومي، واشتق المغرب لنفسه مصطلحا اختاره لنفسه، هو الخوصصة في جهات أخرى راجت الخصخصة والتخصيص والتحرير، وهي تسميات أطلقت على عمليات مراجعة أوضاع القطاع العام .

في 1989 كان قد استقر الرأي في البرلمان على لائحة تتكون من 112 مؤسسة صنفت بأنها جاهزة للتفويت للخواص. وفي 1992 صدر قانون تنظيم البريد، تمهيدا لإنشاء شركة تتولى الخدمات البريدية، وفي 1995 كان المغرب قد أعد قانونا يحرر جزءا هاما من تلك الخدمات وفي 1998 تم تفويت حصة من قطاع الهاتف، وكان ذلك عنوانا كبيرا لما كان يمكن أن يقدم عليه المغرب من مغامرات محسوبة.

وقعت ثلاثة أمور في وقت واحد، إذ ت ب مبادرة من الحسن الثاني رحمه الله، خوض مسعى توافقي يهدف إلى مراجعة الأوضاع سياسيا ومؤسساتيا، وتم ثانيا بفضل هندسة سياسية محبوكة، تهيء إفساح المجال لنخبة جديدة ورؤية جديدة. وثالثا تمت محاولة لتكييف الأوضاع الداخلية مع المتغيرات العالمية، لتأمين الدخول إلى القرن الحادي والعشرين في الوقت المناسب وبأدوات ملائمة.

وكانت خوصصة الاتصالات هي المدخل البارز لكل الديناميكية التي مرت في أوصال الاقتصاد المغربي، وأهم ما ميز تحرير القطاع وهو وقع بدون تغليب الهاجس الأمني، وحتى الان فقليلة هي الحوادث اللامجدية التي وقعت بسبب تدخل السلطات لمحاولة التحكم في تدفق المعلومات بدافع الرقابة في حجب مضمون بعض المواقع الالكترونية. وهذا الابتعاد عن الهاجس الأمني، هو عكس ما تخبطت فيه أقطار أخرى هنا وهناك أحاطت العملية خ ومازالت بكثير من الاحتياطات التي تضمن السيطرة وباللجوء إلى أساليب الرقابة حتى غير الملتوية.

الطفرة الرقمية

ومع انتشار استعمال الهاتف، جاء الانترنت وفي 1994/12/30 كان عدد المشتركين في الهاتف قد ارتفع إلى مليون بعد أن تضاعف مرتين في ثلاث سنوات، وفي 19 نوفمبر 1995 كنا حوالي 805 من المهتمين تتلقى على يد الخبيرة نجاة رشدي أول درس في معنى الأنترنيت، وفهمنا أن المغرب قد اعتنق عقيدة تقول إن وظيفة وسائل الاتصال هي العمل على تدفق المعلومات وليس مراقبتها، وأنه من العبث عرقلتها أو قمعها.

وحينما تم الانتقال إلى الخوصصة، أحيطت العملية بضمانات أساسية هي تنصيب هيئة للضبط والتحكيم، مسلحة قانونيا لكي تكون ذات مصداقية، وأعني الوكالة الوطنية لضبط الاتصالات ……… واجتمعت بذلك كل المؤهلات لكي يتم تحرير قطاع الاتصالات بأكبر قدر من الشفافية وكانت النتيجة باهرة، كانت قد شاركت في عرض الأثمان، أربع شركات وحينما تم الإعلان عن منح رخصة الشطر الثاني من الهاتف المحمول، سلمت الشركات الثلاث المنافسة بأن الفائز في الصفقة هو من استحقها فعلا. وكان ثمن الصفقة هو مليار ومائة مليون دولار، وهو رقم قياسي، وفي وقت قريب من ذلك أبرمت صفقة مماثلة بنصف المبلغ في بلد كان عدد سكانه يضاعف عدد سكان المغرب.

النتيجة الباهرة التي ما فتئت تتبلور مع السنتين، تتجلى في أنه أصبح هناك اليوم 22 مليون مشترك في الهاتف المحمول، مقابل مليون في أقل من عقدين، بينما في الهاتف الثابت أصبح عدد المشتركين لا يقل عن 2,39 مليون في 2007 واخر الارقام التي بين أيدينا، تقول إن حجم المعاملات في قطاع المعلومات انتقل من 8,5 ملايير درهم في 1999 إلى 30 مليار درهم في 2007. ونشر مؤخرا رقم يتعلق بالرسائل المكتوبة التي بعت بها المغاربة عبر هواتفهم المحمولة، يستفاد منه أن العديد لا يقل عن 1,78 مليار في 2007 بزيادة قفزت بنسبة 26 في المائة. وفيما كانت الدولة تتحمل تسيير هذا المرفق بما يقتضي من ذلك من تحملات اجتماعية، أصبح قطاع الاتصالات اليوم هو الدافع الأول للضريبة في المغرب. زيادة على مناصب الشغل التي أحدثها مباشرة أو غير مباشرة بينما لا يقل عدد الموصولين بشبكة الأنترنت عن 526 ألف مشترك ( أرقام يونيو 653-591) وفي المستقبل المنظور سنطرح للبيع في 2009 الرخصة الثالثة للهاتف المحمول.

ومن جهة اخرى، أصبحت اتصالات المغرب ذات مؤهلات لتكون الفاعل الرئيسي في خوصصة اتصالات مالي، والأكثر كفاءة للحصول على صفقة النيجر وهي موجودة في موريتيل بموريتانيا، وفي الغابون، وفي بوركينافاصو. وكل هذا بفضل أن المنطلق ناجحا.

كان المنطلق بالفعل جيدا جدا، وظل المجال بريئا من القيود، وعلى عكس كثير من الدول المماثلة، كان التدخل القانوني الوحيد في الأنترنت هو إدراج مادتين في القانون الجنائي تهدفان إلى حماية المواقع الإلكترونية من العابثين وحينما أضيف لقانون حماية الملكية الفكرية فصل جديد يتعلق بالأنترنت، كان الغرض هو التكيف مع المعايير المعمول بها عالميا، بمعنى أن الروح الليبرالية التي رافقت النشأة، مازالت هي الركن الأساسي في المقاربة المغرية، والاستثناء يبقى استثناء وقابلا للتقويم.

وبفضل ذلك ففي وسعنا أن نتحدث عن طفرة تحققت في مجال تدفق المعلومات ذلك أن المطبعة قد وصلتنا بعد أربعة قرون من غوطنبورغ ( بالإسبانية في 1860، وبالعربية بعد 30 سنة) وصلتنا الاذاعة بعد 24 سنة، والتلفزيون بعد 13 سنة، أما الانترنت فقد انتشر في ظرف أربع سنوات، وها هو عدد الموصولين بالشبكة يضاعف عدد القراء الصحافة المكتوبة.

والجدير بالذكر أنه حينما طرحنا في بداية التسعينيات، مسألة تحرير السمعي البصري في غمرة المطالبة بالتغييرات الدستورية، ثم لدى انعقاد المناظرة الأولى للإعلام والاتصال سنة 1993، كنا ننطلق من ارتباط السمعي البصري مع قطاع الاتصالات، وأوحى لنا السلوك الليبرالي الذي صاحب قرار خوصصة الاتصالات، بالتفاؤل بشأن ما قد يعرفه قطاع الاعلام. ولكن لم يصدق ذلك التصور. إلا أنه وقع شيء ايجابي لدى صياغة قانون الصناعة السينمائية، الذي هو قانون ليبرالي، ولهذا كانت النتيجة جيدة في هذا القطاع، وحصدنا الجوائز في كل منتدى دولي، وأصبحت السينما المغربية مضرب الأطفال في الجودة المهنية، وينتمي إلى نفس السلالة قانون حقوق التأليف الذي يضعنا في مصاف الدول الماقدمة وكلا القانونين مستمد من أن الحرية هي المبدأ.

وكنا قد قلنا في التصريح الحكومي يوم 14 أبريل 1998 إن طريقنا في مجتمع الاعلام هو ” تحرير قطاع الاتصالات مع التحكم في مساره”. وقد أنجزنا التحرير في صورة مثلى لم تتكرر، لكن جاء من ركز على استعمال الشق الثاني من المقولة المذكورة أي” التحكم في المسار ” وهو ما أدى إلى توعك في إرساء الهاكا وفي عمل وكالة الضبط، إذ بعد سنتين من خوصصة 1998 لم يكن ممكنا الكلام بنفس الاجماع عن تفويت 51 في المائة من اتصالات المغرب إلى فيفاندي.

الحرية والمسؤولية

كان هناك في البدء نقاش حاد تجابهت فيه مقاربتان إحداهما تركزت على صيانة القطاع العمومي، والثانية تقول باقتصاد السوق. ووقع تبادل مواقع. وظهر أن البرغماتيين هم الثوريون. وثوريو ما قبل جدار برلين أصبحوا محافظين. والموضوع فعلا يلامس جوانب سياسية وحقوقية وثقافية.

كتب دان براون مؤلف ” كود دافيتشي رواية شهرة عنوانها القلعة الرقمية أبطالها نخبة من قسم المتضلعين في الرياضيات، يتصارعون حول حاسوب ضخم كلف ملياري دولار، فئة منهم تعمل على تطوير الجهاز لرفع قدراته على تطويق المعلومات حتى يتيح مراقبة محكمة وحقيقية لمستعملي الشبكة، وفئة اخرى تعمل على الحد من تلك القدرات، لكي لا تتمكن الحكومة من استخدامه لمراقبة الحياة الشخصية للأفراد.

ووصل الأمر بالفريق الثاني إلى العمل على إفساد الجهاز، والحفاظ عليه عاجزا. وذلك لأنه غير مضمون أن لا تأتي الحكومة التالية خ بمقتضى صناديق الاقتراع تتجاسر على استعمال قدرات الجهاز على مراقبة ضدا على الحريات الفردية للمواطنين. وهذا ما خلق معركة مفتوحة بين أنصار الحقوق المدنية وبين مسيري الجهاز الذين يرون أنه من حق الحكومة أن تحصل على المعلومات التي تمكن من حماية المجتمع من الأخطار العامة .( صفحة 115، الطبعة البرتغالية).

هناك إذن معضلة تتجلى في أنه في مرحلة ما يكون مطلوبا أن يوجد ” حراس على من يتولون حراسة أمن المواطنين، أي ايجاد معيار أكثر توازنا بين ما هو أمني وهو حيوي، وبين ما هو حقوقي وهو مشروع.

من خصائص التكنولوجيا عموما أنها تخلق واقعا، ولا تبالي كيف تكون العواقب، وهذا هو الحال بالنسبة لتكنولوجيا المعلومات التي لا تقبل أن تستعمل لغير ما جهلت له، وهو تدفق المعلومات. وهذا ما يجب أن تستفيده مثلا بمناسبة واقعة …….. التي تصرفنا معها خارج منطقها. إنها مزحة أقدم عليها المهندس الشاب مرتضى، الذي كان تصرفه في حد ذاته خروجا عن المألوف، وفرض علينا أن نتعامل مع العالم بالعملة الرائجة. وهي ليست الدرهم. فكما معلوم قام مجتمع المعلومات كله ينتصر للشاب المازج الذي أفرج عنه لحسن الحظ. وما هو شر من ذلك ان الدول العربية جميعها منشغلة، أمام أعين العالم الساخرة، باستصدار “ميثاق” للفضائيات العربية.

أستطرد فأذكر بأن تقرير التنمية البشرية لسنة 2002 كان قد جعل موضوعه المحوري هو الربط بين حرية التعبير والتنمية، وقال بكيفية جوهرية، إن التنمية شأن سياسي بقدر ما هي شأن اقتصادي، وأكد في يقين تام أن حرية التعبير ترفع من درجة الشفافية وتقلل من فرص الفساد، وأن استبعاد الديمقراطية هو من الأسباب المباشرة لتفشي الفقر والفساد.

ومن المؤكد أن تكنولوجيا المعلومات تفرض منطقها في مجالات حساسة، مثل توطيد دولة القانون، وعقلنة الاقتصاد، وتكريس الشفافية، لكن هناك محاذير، وقد نبه التقرير الصافي لليونسكو ” من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة الصادر في 2005 إلى وجود 14 صورة لتدخل الدول في محاصرة حرية التعبير في ميدان الاتصال والاعلام، ابتداء من اشتراط الترخيص، إلى خوصصة الرقابة أي ممارسة الرقابة ذاتيا من قبل الفاعلين أنفسهم. وهو تقرير يستحق أن أدلي به كاملا هنا، وهو في حوالي 232 صفحة، وهو يقول بكيفية اجمالية إنه بعد 11 سبتمبر 2001 تكاثرت الدواعي التي تغري وتقنع بالتدخل من أجل تلاقي وقوع تكنولوجيا المعلومات في أيدي الاشرار. وهي حالة تلزم بتعميق التأمل في التوازن الضروري بين حرية التعبير وحماية المجتمع البشري.

ويخرج التقرير المذكور بخلاصة مكثفة في الفصل الاول هي التالية : ” إن حرية انتقال الافكار والمعلومات التي صارت أكثر فاعلية، بفضل التكنولوجيات الجديدة، ستكون عاملا رائعا من أجل الديموقراطية ومشاركة الجميع في الحياة العامة، واتخاذ القرار، مع ذلك فإن التكنولوجيا لن تستطيع شيئا أمام الخيار السياسي. لذلك من المهم جدا أن ندافع عن هذا الحق حيث يغمط وأن نحافظ عليه حيث يهدد. لأن حرية التعبير وحرية انتقال المعلومات المرتبطتين تماما، هما شرط أساسي لنهوض مجتمعات المعرفة”.

اللحاق الممكن

وفي غمرة كل هذا الذي استعرضناه، من حيث التقدم التكنولوجي والصدارة التي أصبحت لتكنولوجيا للمعلومات، والضرورة المتمثلة في الانخراط في الاقتصاد العالمي، وما يستتبع ذلك من ضرورة الطاعة لقوانين المسلسل الذي دخلته البشرية، أصبحت الأمم المتحدة تحث على ضرورة تدارك الفجوة الرقمية، وأصبح شيئا محتما أن تعمل الدول على تقليص تلك الفجوة كهدف حتمي لا مناص منه.

وأريد الأن أن أشير إلى التسابق القائم على اكتساب الجاهزية للانتماء الى الشبكة المعلوماتية. وهناك معطيات يجدر الانتباه إليها، لأنها تساعدنا على رسم الطريق. فقد نشر منتدى دافوس الاقتصادي تقرير عن تقنية المعلومات في العالم أثناء سنتي 2007/2008، أدرجت فيه لائحة تضم 127 دولة. وتوجد في الطليعة كوكبة من الدول لا تفاجئنا، فكلها حضرت نفسها لنيل الرتبة التي وصلتها، وفي طليعة الطليعة خمس دول هي دينمارك، والسويد، وسويسرا، والولايات المتحدة، وسنغفورة. وتلتقي هذه الدول بأن لها مشروعا مجتمعيا ناضجا.

وكما يحصل بكيفية متكررة في هذه التقارير الدولية، فإن ترتيب الدول فيها من يتغير من سنة إلى أخرى. إذ أن سويسرا مثلا كانت في التقرير السابق تحتل الرتبة التاسعة فارتقت إلى الثالثة. ومن المعطيات التي تضمنها التقرير أن هناك تنافسا حادا بين الهند والصين. وهذا واقع لم يكن قائما منذ عقد مثلا. وجاء في التقرير أن صادرات الهند ترتفع سنويا بـ 30 في المائة، بينما المعدل السنوي العالمي هو 6 في المائة. وصدرت الهند 12.5 دولار في السنة المالية 2003/2004 من الخدمات البرمجية، بينما الصين التي تبذل جهدا قويا لولوج هذا النوع من الأولمبياد، لم تحقق إلا خمس ما حققته الهند.

كما وهو بديهي، ليس هناك ما يحول دون أي كان ليحلق بالركب العالمي. ولن يبقى متأخرا إلا من أراد ذلك أو تعرض لنكبة مستطيرة. على أن هناك شرا لا تتعرض له التقارير الدولية النزيف المتمثل في هجرة العقول التي يتطلب تكوينها تكاليف باهظة، وذلك بفضل إغراء كبير يوجد في دول الشمال، أو بسبب فساد السياسات التي تتبعها دول الجنوب المصممة على الانتحار بسبب عدم اتخاذ الإصلاحات المطلوبة ففي عام 2000 من الجراء الاضطراب الذي كان يتهدد الصفر الذي ينتهي به الرقم، خسرنا دفعة واحدة حوالي 500 مهندس إعلاميات، استنجدت بهم الشركات العالمية في مواجهة معضلة الصفر الرهيب، ذهبوا دفعة واحدة إلى بلدان غنية. وفي كل سنة تفقد جزءا من خريجينا في هذه التخصص. وهذا الخطر يداهم بصفة خاصة الدول الفقيرة.

وجاء في تقرير لمدير مدرسة عليا للمعلوميات، (عبد الإلاه الصميلي مدير خـبـحـ) أن المغرب لا يكون سوى 1000 مهندس من كل تخصصات في السنة، في حين أن فرنسا تكون 25000 في السنة، وألمانيا 35000 و60000 في اليابان. ومع ذلك فإن دول الشمال تعاني خصاصا لا تعوضه إلا بالاستيراد من دول الجنوب. وفي هذا السياق يفقد المغرب كل سنة جزءا من مهندسيه الذين يجدون قرصا أفضل في بلدان الشمال.

اللائحة العربية

ولنعد إلى تقرير دافوس، عن الجاهزية للشبكة، ولنسجل أنه ليس من بين العشرة الأوائل أي دولة عربية. وأول بلد من منطقتنا ذكرته لائحة دافوس هو الإمارات، وترتيبه 29 تليه قطر (32) وتونس (35) ويحتل المغرب الرتبة 74 وتليه الجزائر في الرتبة 88 وليبيا 105، وموريتانيا 105.

وينص التقرير المذكور على أن أعلى نمو في عدد مستخدمي الأنترنيت يقع في الشرق الأوسط، وذلك بنسبة 600 في المائة. وهذا المعطى خ يقول التقرير – يمثل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي للنمو. وهذا يشير إلى أن مختلف دول العالم عاملة بجد على تدارك الفجوة الرقمية، والالتحاق بركب المتقدمين.

ويجب ألا نغض النظر عن حقيقة وهي أن تقرير …. لسنة 2008 قد أورد في لائحة حمراء، 15 دولة ليست علاقتها طيبة مع الانترنيت منها 8 دول عربية مذكورة أعلاه ليس من بينها المغرب المذكور في صفحات أخرى.

ويجب القول. إن هذا التطور البالغ السرعة في العالم العربي، يدل من جهة على إيقاع تقليص الفجوة غير مفاجئ تطرأ لوجود إرادة، وإمكانات. يؤكد هذا التطور أيضا ما ظهر من نتائج سابقة وهو أن تقليص الفجوة واقع – لا محالة- قبل الموعد الذي ضربته الأمم المتحدة. وقد سبق التعرف منذ سنتين على أن الفجوة كانت وقتئذ قد تقلصت بين الشمال والجنوب بسرعة، وتخطت التوقعات المبرمجة في عشر سنوات.

وينطوي هذا التوجه الحثيث للمجموعة العربية في اتجاه اكتساب المهارات المعلوماتية، على معطى مهم وهو أن السوق العربية للمعلومات مبشرة بالازدهار. وليست غيظا خ إذن – من لا يتوقع إلا السوء للمجموعة العربية. يجب أن يراجع الحساب من لا يفوت فرصة للسخرية بمستقبل اللغة العربية والتبشير بالغلبة للدارجة كما هي الموضة هذه الأيام.

ولنعرج هنا على ما ورد في تقرير عربي نشر منذ أيام (الشرق الأوسط 2008/08/10) حول مستقبل الاستثمار في التكنولوجيا المعلومات. فقد وقعت الإشارة. إلى أن دول المجلس التعاون الخليجي، وحدها تمثل 22.6 في المائة من النفقات المرصودة لتقنية المعلومات من مجموع الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي الفترة ما بين 2007 و2011 ستتصدر المشهد اربع دول في المنطقة، من حيث الاستثمار في القطاع، وهي مصر بـ13.1 في المائة، والسعودية بـ12.8 في المائة، والكويت بـ11.9 في المائة، والإمارات بـ11.3 في المائة.

وأريد أن أقول، بإيراد هذه المعطيات، أن الاصطفاف في المجموعة العربية سيمكننا من الاستفادة من مزايا التقدم الذي سيجلبه الاستثمار في تطوير تقنية المعلومات في هذه المنطقة. وذلك نظرا لما تمثله السوق العربية بالنسبة للعالم. ولابد أن نأخذ في الاعتبار الكم الكبير من الدراسات التي تستهدف السوق العربية، من قبل الباحثين في تكنولوجيا المعلومات، وكذا من قبل المستثمرين، بالذات، طلبا للفائدة التي يتوخونها من وراء كبر هذه السوق وأهميتها.

كما أنه من المفيد أن نشير أيضا إلى العناية الخاصة التي تحظى بها السوق الإسبانية في مجال المعلوميات. ولا أدل على ذلك من أنه ما أن تصدر نسخة جديدة من الويندوز، حتى تبادر ميكروصوفط إلى إتباعها في ظرف أسبوع بالصيغة الإسبانية، مما يمثله الوجود اللاتينيين في السوق الامريكية نفسها، ونظرا للكثلة المؤلفة 500 مليون الناطقين بالإسبانية في العالم. وقد نشر غوغل بتاريخ 2007/8/7 تقريرا ورد فيه أن اللغة الإسبانية هي الثانية من حيث كثرة الاستعمال في شبكته بعد الإنجليزية، وبعدها تأتي الألمانية ثم اليابانية والفرنسية.

وقد كاب خ.م. انصون بثقة منذ سنوات إن عالم الغد ستسود فيه ثلاث لغات، الانترنيت والانجليزية والإسبانية. وهذه المقولة إن كانت من المبالغات التي تقتضيها حروب اللغات، فإنها يجب أن ننتبه إلى ضرورة الاستثمار فضلا عن العربية، التي هي لغة مجموعتنا، والفرنسية كذلك، التي هي رابطتنا مع مجموعة مهمة من الدول الافريقية الشقيقة. أريد أن أقول بهذه لا تضعوا كل بيضكم في سلة الفرنسية ولا تفرطوا في الفوائد التي قد تجلبها الاصطفاف مع المبشرين بالنجاح. إن العربية هي أيضا لغة أهل كلاكسيا المعلومات. وبه وجب الإعلام أمامنا ثلاث سلال فلنستعملها.

الفترة الانتقالية

وأخيرا أريد أن أدقق التعبير عن فكرة أذكرها دائما لدى الكلام عن طبيعة المرحلة التي دخلت فيها البشرية بفعل تطور تكنولوجيا المعلومات. أريد أن أقول إن وصف هذه المرحلة بأنها “انتقالية” ليست دقيقة، لأننا نعرف من أين انتقلنا، ولكن لا نعرف إلى أين ننتقل. إننا نبحر في رحلة لا ندري إلى أين يمكن أن نصل، وقد أخطأ من تحدث عن نهاية التاريخ.

أنا أغوغول حولي ساعتين كل يوم. وبلغة الانترنيت، أنا حينما أكون مغوغلا، فإنني أكون مبحرا، في تكنولوجيا المعلومات. وهذه هي العبارة التي أطلقها الانترنتيون على أنفسهم. نحن نمتطي مركبة عربيدة لا تحتكم إلا لمنطقها. عقب كل فترة زمنية قصيرة نحن ملزمون بتغيير القواعد والعتاد والآليات والمفاهيم. وفي هذا السياق، يجري الكلام بغزارة عن المستقبل، أما الحاضر فهو يعاش باستسلام ويقبل كما يتم تنفيذ أحكام الآلهة في التراجيديا الإغريقية.

وهناك في الختام ملاحظة كبيرة، وهي أن المغرب، رغم أنه كان رائدا في الإصلاحات السياسية التي اقتحمها، ورغم أنه تجشم بشجاعة رحلة شاقة نحو الالتحاق بالاقتصاد العالمي، ورغم ما تميزت به مقاربته البعيدة عن الهاجس الأمني لدى معالجة مسألة الاتصالات، رغم ما لاح في أواسط التسعينات من أن مسيرتنا تندرج في إطار مشروع مجتمعي، فإننا نتعثر. وها هو المغرب ليس مصنفا في كوكبة المرشحين لاحتلال الصفوف الأولى، في وقت قريب. مثلما كنا نتصور في أواسط التسعينات.

مقال نشر بجريدة دفاتر سياسية عدد ……. ( أصيلة 16 غشت 2008 ) *

Please follow and like us:
error0

Laisser un commentaire