نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية 2023 …  قراءة في الدلالات

د. حميد بحكاك

مقدمة 

عرفت تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية في 14 ماي 2023 التي جرت في يوم واحد، وأسفرت هذه الانتخابات عن نتائجها البرلمانية النهائية في الجولة الأولى بينما استمرت الرئاسية إلى الجولة الثانية لعدم حصول أحد المرشحين للرئاسة على الأغلبية المطلقة في الدورة الأولى، كما هو معمول به في النظام الرئاسي التركي، وجرت جولة الإعادة يوم 28 ماي بين المرشحَّين الأوفر حظا، وهما مرشح “تحالف الجمهور” الرئيس المنتهية ولايته رجب طيب أردوغان ومرشح تحالف الشعب كليجدار أوغلو. وتهدف هذه الورقة إلى عرض هذه النتائج وقراءتها من حيث الأسباب والدلالات.

وقد حظيت هذه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية باهتمام كبير محليا وخارجيا، فعلى مستوى الداخل عرفت استقطابا حادا ونسبة مشاركة عالية جدا وصلت إلى 88 في المائة مما يضفي عليها مصداقية محلية وخارجية، كما حظيت هذه الانتخابات باهتمام دولي، من خلال الاهتمام الإعلامي الأوروبي والأمريكي والذي وصل إلى حد التحيز ضد المرشح رجب طيب أردوغان، وهو ما عكسته عناوين المجلات والصحف والجرائد والندوات والتحليلات، وما تم الاعتراف به لاحقا بعد ظهور النتائج النهائية لهذه الانتخابات1

أرقام ومعطيات انتخابية 

أعلنت هيئة الانتخابات التركية في مؤتمر صحفي أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية بلغت 88.92% داخل البلاد و53.80% خارجها، ونسبة المشاركة الإجمالية في الانتخابات البرلمانية -بما في ذلك داخل البلاد وخارجها وفي المعابر الحدودية-87.05%. 2

وعرفت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية انخفاضا طفيفا في نسبة المشاركة، فقد بلغت نسبة المشاركة 84% مقابل 88% في الجولة الأولى، في الوقت الذي شهدت نسبة المشاركة في الخارج ارتفاعا، حيث وصلت إلى 56% بدلا من 54% في الجولة الأولى.

أما من حيث مراقبة نزاهة هذه الانتخابات، فبالإضافة إلى الهيئة الوطنية للانتخابات التي أشرفت إداريا على هذه الانتخابات، فقد حضر مراقبون وملاحظون، منهم 350 ملاحظ من المجلس الأوروبي،  كما توزَّع ما بين 200.000 و300.000 متطوع من المعارضة والمجتمع المدني على 50.000 مكتب اقتراع، بالإضافة إلى لجان فيها ممثلي الأحزاب السياسية المشاركة المتواجدة في مكاتب الاقتراع لمراقبة نزاهة هذه الانتخابات التي تجري عبر 191 ألف صندوق اقتراع في 81 ولاية من أجل انتخاب رئيس جديد للبلاد لمدة 5 سنوات، واختيار أعضاء البرلمان البالغ عددهم 600 نائب.3

ويشارك في هذه الانتخابات 24 حزبا سياسيا و151 مرشحا مستقلا، ودخلت معظم هذه الأحزاب الانتخابات في 5 تحالفات هي تحالف “الجمهور”، وتحالف “الشعب”، وتحالف “الأجداد”، وتحالف “العمل والحرية”، و”اتحاد القوى الاشتراكية”.

النتائج الانتخابية 

الانتخابات الرئاسية وفوز أردوغان 

جرت الانتخابات الرئاسية في جولتين وفق النظام الانتخابي التركي، بعد تعذر حصول أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى، وأسفرت الجولة الأولى عن النتائج التالية:

أردوغان بنسبة 49،50 بالمئة من الأصوات 

ومرشح تحالف الأمة المعارض “كمال كليجدار أوغلو” بنسبة 44،89 % من الأصوات

وحقق “سنان أوغان” نسبة 5،17 % من الأصوات

بينما حصل المرشح المنسحب “محرم إنجة” على نسبة 0،44% من الأصوات

وفي الجولة الثانية اسفرت النتائج عن فوز أردوغان الرئيس المنتهية ولايته بنسبة 52.18% مقابل  47.82%  لصالح كمال كليجدار أوغلو، بفارق مليونين و330 ألف صوت تقريبا.

الانتخابات البرلمانية 

أما الانتخابات البرلمانية فقد أسفرت نتائجها عن الأرقام التالية 4:

التحالفات والأحزاب نسبة التصويت (%) عدد مقاعد البرلمان
تحالف الجمهور 49.46 322
حزب العدالة والتنمية 35.58 267
حزب الحركة القومية 10.07 50
حزب الرفاه مجددًا 2.82 5
حزب الاتحاد الكبير 0.99 0
تحالف الشعب 35.02 213
حزب الشعب الجمهوري 25.33 169
الحزب الجيد 9.69 44
تحالف العمل والحرية 10.54 65
حزب اليسار الأخضر 8.81 61
حزب العمل التركي 1.73 4
تحالف الأجداد 2.43 0
حزب النصر 2.23 0
حزب العدالة 0.20 0
تحالف اتحاد القوى الاشتراكية 0.29 0
حزب اليسار 0.14 0
الحزب الشيوعي التركي 0.12 0
الحركة الشيوعية التركية 0.03 0

قراءة في  النتائج :

 نتائج تكذب الاستطلاعات والتوقعات، وصعود اليمين القومي

من مفاجآت هذه النتائج أنها كذَّبت توقعات معظم استطلاعات الرأي التي كانت تذهب في اتجاهات مختلفة عن النتائج المعلنة.

فالانتخابات الرئاسية أعادت انتخاب أردوغان للمرة الثالثة والنهائية حسب النظام الرئاسي في تركيا الذي يحدد المدة في ولايتين (منذ سنة 2018، وهي السنة التي تمَّ فيها التعديل الدستوري إلى النظام الرئاسي) بينما كانت تشير كثير من استطلاعات الرأي إلى خسارة أردوغان، مسنودة بحملة إعلامية غربية لصالح مرشح المعارضة كمال كلجدار أوغلو.

وكان أردوغان يفوز في الجولة الأولى كما حدث في انتخابات 2014 و2018، ففي سنة 2014، فاز بالرئاسة من الجولة الأولى بعد حصوله على نسبة 51.79%من الأصوات، متقدمًا على المرشح التوافقي لحزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية، “أكمل الدين إحسان أوغلو”، الذي حصل على نسبة 38.4%، ومرشح حزب الشعوب الديمقراطي، “صلاح الدين دميرتاش”، الذي حصل على نسبة 9.7% من الأصوات.

وفي 2018، فاز من الجولة الأولى كذلك بعد حصوله على نسبة 52.5% من الأصوات، متقدمًا على منافسيه، مرشح حزب الشعب الجمهوري، “محرم إينجه”، الذي حصل على نسبة 30.6%، ثم مرشح الشعوب الديمقراطي، “صلاح الدين دميرتاش”، الذي حصل على 8.4%. 5

كما لعبت نتائج الانتخابات البرلمانية لصالح أردوغان في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، بسبب الرغبة الشعبية في الاستقرار المؤسساتي المولّد للاستقرار السياسي، فتقاسم المؤسستين البرلمانية والرئاسية بين الأغلبية والمعارضة يعرقلهما معا أو يؤثر على أدائهما وينعكس ذلك سياسيا واجتماعيا على المواطن التركي الذي يميل إلى الاستقرار وهو ما عكسته نتائج الانتخابات البرلمانية التي أعطت الفوز لحزب العدالة والتنمية الذي قاد البلاد أكثر من عشرين سنة.

أما بالنسبة للانتخابات البرلمانية فقد حصل تحالف الجمهور على الأغلبية البرلمانية إذ حصل على 322 مقعد، متقدما على تحالف الشعب الذي حصل على 213 مقعد، مما يعني انتصار الاستمرارية على التجديد، كما أن هذه النتيجة حرمت المعارضة من الأغلبية العددية والبرلمانية التي تمكنها من إمكانية تعديل الدستور والعودة إلى النظام البرلماني كما وعدت بذلك في حملتها الانتخابية.

كما صوتت المناطق التي ضربها الزلزال لصالح حزب العدالة والتنمية، فمن أصل 11ولاية أصابها الزلزال صوتت ثمان منها لصالح تحالف الجمهور، كما سجلت هذه المناطق نسبة مشاركة وصلت إلى 80 % ، وكانت المعارضة تراهن على سكان هذه المناطق المتضررة لكسب أصواتها فكان العكس6   .

ويفسر فوز حزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور، بمجموعة من الأسباب منها أن الحزب الحاكم وقائده أردوغان استعمل خطاب الإنجاز، إذ في كل تجمع انتخابي يستعرض الرئيس المنتهية ولايته الانجازات التي حققتها تركيا في عهده داخليا وخارجيا، كما استعان بمهارته الخطابية وتجربته الانتخابية إذ فاز في 14 محطة انتخابية ( محلية وبرلمانية ورئاسية )،  ثم جاء إعلان المرشح الثالث “سنان أوغان” دعمه لأردوغان في الجولة الثانية، كما لعبت الحملة الغربية المضادة لترشحه لصالحه وأعطت نتائج عكسية، فالجالية التركية في أوروبا وخصوصا في ألمانيا وفرنسا صوتت بكثرة لصالح أردوغان بنسبة 64 في المائة7 ، وأظهرت هذه الحملة الإعلامية الغربية مرشح المعارضة كما لو كان مرشحا للغرب ومصالحه وأضرَّت بهذا الأخير، واستعمل المرشحان في دعايتهما الانتخابية حرب الرموز الأيديولوجية والوطنية، إذ ختم أردوغان حملته الانتخابية في الجولة الأولى بصلاة المغرب في مسجد آيا صوفيا وختم مرشح المعارضة حملته بزيارة إلى قبر مصطفى كمال أتاتورك وفي الجولة الثانية ختم أردوغان حملته الانتخابية بزيارة عدنان مندريس الذي أعدمه العسكر بعد انقلاب عسكري سنة 1960.

ويسجل أيضا في نتائج هذه الانتخابات تقدم حزب الشعب الجمهوري الذي زاد من مقاعده مقارنة مع الانتخابات الأخيرة ( 2018) ب 23 مقعد، بالإضافة إلى مقاعد الأحزاب التي ترشحت على لائحته وفازت وعددها 38 مقعد8 .

ودخل البرلمان للمرة الأولى كل من حزب الرفاه الجديد ( 5 مقاعد) ً من تحالف السلطة، وحزب العمال التركي من تحالف العمل والحرية (4 مقاعد )، كذلك حزب السعادة ( 10 مقاعد ) وحزب المستقبل (11 مقعد ) الإسلاميين، والديمقراطية والتقدم (14 مقعد ) الليبرالي الذين ترشحوا على قوائم حزب الشعب الجمهوري.

ورغم انتصار تحالف الجمهور الذي يقوده أردوغان، إلا أن حزب العدالة والتنمية واصل تراجعه على مستوى عدد المقاعد مقارنة مع الانتخابات السابقة وإن حافظ على مرتبة الحزب الأول في تركيا عدديا، إذ نزل عدد نوابه من 295 مقعد (سنة 2018) إلى 267 مقعد في هذه الانتخابات. وفي الانتخابات السابقة كان الحزب يفوز بالأغلبية المطلقة في البرلمان تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده.

ويفسر هذا التراجع حسب بعض المحللين بسبب الأزمة الاقتصادية وتداعيتها على المستوى المعيشي للمواطن التركي، وكذلك الانشقاقات التي عرفها الحزب ( فمؤسسا كل من “حزب المستقبل و”حزب الديمقراطية والتقدم” اللذان ترشحا على قائمة المعارضة خرجا من رحم حزب العدالة والتنمية )، كما أن حزب العدالة والتنمية ركز في سياساته للسنوات الأخيرة على التحديات الخارجية على حساب التحديات الداخلية، بخلاف ما كان عليه الأمر في بداية حكم حزب العدالة والتنمية في إطار سياسة “صفر مشاكل مع الخارج” التي مكنت الحزب للتصدي للأوضاع الداخلية وتوسيع قاعدته الانتخابية من خلال الانجازات التي حققها، وهناك أيضا الرغبة في التغيير والتجديد لدى شريحة كبيرة من الناخبين كما هو معروف في طبيعة الانظمة الديمقراطية، إذ حكم حزب العدالة والتنمية لمدة 21 عاما .

 

صعود “اليمين القومي”

المتأمل في نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يرى صعود اليمين القومي التركي خصوصا المتطرف ( تحالف الأجداد ) سواء من حيث التعبير عن نفسه أو من حيث الحصول على مقاعد وأصوات الناخبين، فقد حقق “سنان أوغان” مرشح “تحالف الأجداد” ذو التوجه القومي نسبة 5،17 % من الأصوات وكانت التوقعات تمنحه 2,5 %، كما حققت الأحزاب القومية الموزعة في التحالفات ما مجموعه 95 مقعد وهي حزب “الحركة القومية ” في تحالف “الجمهور” الحاكم، وحزب “الجيد” في تحالف “الشعب” المعارض،  وكل هذه الأحزاب تعارض بشكل متفاوت تواجد اللاجئين السوريين والأكراد والأجانب، كما أن موجة اليمين المتطرف التي تجتاح الدول الغربية لم تسلم منها تركيا في نسختها المحلية.

كما توزع الصوت الكردي الذي يمثل 12 % من الأصوات الانتخابية، بين “حزب الشعوب الديمقراطي” العلماني والذي أعلن دعمه لمرشح المعارضة و” حزب الهدى بار” الإسلامي في تحالف الجمهور الذي أعلن دعمه لمرشح تحالف الجمهور.

خلاصة 

لقد حسمت الانتخابات التركية البرلمانية والرئاسية لصالح أردوغان وتحالف الجمهور الذي يقوده، وكسبت تركيا انسجام المؤسستين الرئاسية والبرلمانية وهو ما كان يخشاه الناخب التركي الذي عانى طويلا من مشاكل الحكومات الائتلافية بسبب غياب الانسجام وتنظيم الانتخابات السابقة لأوانها، مما كان يعطي المبرر أحيانا لتدخل الجيش، ويبقى المنتصر الحقيقي في هذه الانتخابات هو الديمقراطية التركية والاستقرار السياسي وإشعاع النموذج التركي الذي قطع مع الانقلابات العسكرية، والدخول إلى نادي الدول القوية من بوابة صناديق الاقتراع التي تكافئ الانجازات عبر انتخابات حرة ونزيهة يشهد لها العالم ويشاهدها ويتابعها. 

 

 

المراجع :

1-منتدى الصحافة : الانتخابات التركية: لماذا تثير اهتمام الإعلام الغربي والعربي لهذه الدرجة؟ شوهد في 17/05/2023 https://www.france24.com/ar

2-هيئة الانتخابات التركية تعلن رسميا عدد مقاعد الأحزاب في البرلمان، شوهد في 30/05/2023 https://www.aljazeera.net/news/2023/5/30

3- Les quatre premières leçons des élections en Turquie

https://www.lorientlejour.com/article/1337548/les-quatre-premieres-lecons-des-elections-en-turquie.html

OLJ / Amélie ZACCOUR, avec Dimitri KRIER et Pauline VACHER, le 15 mai 2023 à 15h54

4، 5-سعيد الحاج: انتخابات الإعادة في تركيا: هل تكون فوزًا مؤجلًا لأردوغان؟  شوهد في 19/05/2023  http://studies.aljazeera.net/ar/article/5642

6- قراءة في خريطة الانتخابات التركية… ماذا تعكس الأرقام؟ شوهد في 17/05/2023

https://sputnikarabic.ae/20230517

 –Rémi Carcélès : Elections en Turquie : pourquoi la diaspora soutien Erdogan7

https://www.latribune.fr/economie/international/elections-en-turquie-pourquoi-la-diaspora-soutien-erdogan-963813.html   Vu   28/05/2023

8- سعيد الحاج : قراءة في نتائج الانتخابات التركية وحسابات الربح والخسارة ،شوهد  18/5/2023

https://www.aljazeera.net/opinions/2023/5/18/

A propos CERSS مركز الدراسات 328 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*