المناصفة و التمثيلية السياسية العادلة للنساء

في البداية اود أن اشاطركم مجموعة من الملاحظات المنهجية حول مفهوم المناصفة و التمثيلية العادلة للنساء في مختلف الهيئات السياسية المنتخبة.

الملاحظة الأولى:  كثر الحديث في العقدين الاخيرين عن المشاركة السياسية للمرأة وعن مفهوم التمثيل العادل لها في الهيئات السياسية المنتخبة. حيث تحول صراع المرأة من حقها في تقرير مصير جسدها خلال السبعينيات من القرن الماضي إلى البحث عن آليات التمييز الإيجابي ( الكوطا) في مرحلة ثانية لتحفيز مشاركتها و تمثيليتها السياسية إلى لبحث عن تحقيق مساواة كاملة بين تمثيلية الرجل و المرأة في جميع الهيئات المنتخبة في مرحلة ثالثة.

هذا و يحيل مفهوم ++المناصفة إلى تمثيلية  الجنسين المتساوية في حدود 50 +50 في المائة. غير أن المساواة بين الرجل و المرأة بهذا الشكل تحيل على وضعية نظرية مطلقة لا تتناسب بتاتا مع الواقع الاجتماعي حيث تتفاوت التمثيلية الديمغرافية للمرأة و الرجل بشكل مطلق حسب الجغرافيا و الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و حسب المراحل التاريخية …الخ. ويفسر لنا هذا وجود دوائر انتخابية تشكل فيها النساء أغلبية ساحقة ( مناطق الشمال و الأطلس و الجنوب حيث الهجرة نحو أروبا أو نحو المدن.. بعض الأحياء الصناعية المختصة في النسيج…)   الى جانب دوائر انتخابية قد يشكل فيها الرجل اغلبية ساحقة ( المناطق المنجمية و الموانئ…)

من هذا المنطلق لايجب أن يحيل مفهوم المناصفة على تمثيلية المرأة و الرجل ب 50 +50 في المائة بل على تمثيلية عادلة للجنسين تتناسب مع حجميهما الفعليين على المستوى الديمغرافي و الجغرافي .

  • الملاحظة الثانية: لا يكفي الحديث عن المناصفة من الناحية القانونية لإحقاقها بل يتوجب أن يتواكب ذلك مع البحث المضوعي و العلمي عن أسباب التهميش الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي التي تقصي المرأة من مجال التنافس الاجتماعي و السياسي. نحن نعلم مسبقا أن هذه الأسباب قد تختلف من منطقة إلى اخرى و من سياقات اجتماعية و اقتصادية الى أخرى مما يتطلب ايجاد حلول متعددة المستويات تتماشى مع الواقع و تبتعد عن اليقينية الفقهية التي تنظر و تشرع لواقع اجتماعي ثابت و موحد لا يتغير ابدا.
  • الملاحظة الثالثة : يجب التذكير بان الحقل السياسي و السياسة عموما هما مجالين للتنافس و الصراع لأجل الوصول على السلطة، و بما أن هذا التنافس يفضي بطبيعته الى اقصاء أو على الأقل تحييد الأطراف الهشة و تكريس هيمنة الأطراف القوية فإن ذلك ينعكس بالضرورة على وضعية المرأة في هذا المجال و على تمثيليتها.
  • الملاحظة الرابعة: يعتبر تبرير اقصاء النساء من المنافسة السياسية بمسوغ هيمنة الذهنية الذكورية في المجتمع  صحيحا جزئيا فقط لأن انتاج و اعادة انتاج هذه الذهنية تقوم بها المرأة أيضا بشكل يتجاوز الرجل حيث أن لمرأة تلعب دورا حاسما في التنشئة السياسية للأطفال في المنزل و في المدرسة.
  • الملاحظة 5: يعد غياب المعلومات التقنية الدقيقة حول أنماط الاقتراع و حول آليات التقطيع الانتخابي و أثرها على تمثيلية النوع الاجتماعي عاملا أساسيا في العجز الحاصل على مستوى التمثيلية السياسية للنساء.  
  • الملاحظة 6 . لا يوجد الى حدود اليوم نموذجا في العالم للمناصفة اذ ان اشكالية العجز في التمثيلية السياسية للنساء ليست اشكالية تختص بها الدول السلطوية او الشرقية دون غيرها بل انها تشمل ايضا الدول الشمالية الديمقراطية. كما أن استحضار النماذج ال الاسكندينافية في هذا المجال يعد غير مجد بالنظر الى كون هذه المجتمعات تعد من المجتمعات المطريركية ( الأمومية)  خلافا للمجتمعات البطريريكية السائدة في لعالم.

بعد هذه الملاحظات التي اعتبرها مداخلا لفهم أعمق للمفهوم المناصفة و التمثيل العادل للمرأة في الهيئات المنتخبة  ما هو الاطار القانوني المرجعي الذي يؤطر التمثيلية السياسية للمرأة.

  1. الاطار القانوني المنظم للتمثيلية السياسية للمرأة

يمكن القول بان البيئة القانونية في المغرب تعد ايجابية فيما يتعلق بالمساواة الكاملة في الحقوق بين الرجل و المرأة.

اذ تتمتع المرأة بالحق في التصويت و في الترشح للانتخابات منذ دستور 1962، حيث أن كل الدساتير و القوانين  العادية و الانتخابية نصت بشكل صريح على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة و على محاربة كل أشكال التمييز الجنساني.

مع ذلك لم يتم ترجمة هذا المبدأ في الواقع الا سنة 2002 مع ادخال مفهوم الكوطا المتوافق حولها بين مختلف الأحزاب السياسية آنذاك بإحداث لائحة تضم 30 مقعدا في البرلمان للنساء. غير أن الانتخابات التشريعية لسنة  2003 ابانت محدودية مثل هذا الاجراء و ضرورة مؤسسة التمييز الايجابي لصلح النساء كخطوة نحو احقاق المناصفة السياسية و هذا ما تحقق فعلا بجعل المناصفة مبدأ ذو قيمة دستورية ملزمة للدولة و لكل مؤسساتها مع دستور 2011 ليدخل المغرب منذ ذلك الى النادي المغلق للدول المطبقة للمناصفة .  و لدينا  مجموعة من المؤشرات التي تؤكد التطور الحاصل في ميدان توسيع التمثيلية السياسية للمرأة منها:

  1. المصادقة على جل المعاهدات الدولية المتعلقة بحماية حقوق المرأة،
  2. رفع جل التحفظات على بعض المعاهدات الدولية المتعلقة بحماية حقوق المرأة ( في 8 ابريل 2011 رفع المغرب تحفظه على الفقرة 2 من المادة 9 ( نسب لأطفال من أب أو أم أجنبيين)  و على المادة 16 ( المساواة في الزواج  الطلاق بين لمرأة و الرجل) من معاهدة سداو.
  3. و جود نشاط تنظيمي و اداري يدعم المساواة بين الجنسين مثل قرار الوزير الأول رقم 3-07 -09  المؤرخ في 4 مارس 2009 المتعلق بتكوين و تسيير اللجنة المكلفة باقتراح برامج دعم القدرات التمثيلية للنساء الممولة من طرف صندوق دعم تمثيلية النساء .(BO N°5718 du 19/03/2009) .
  4. اننتخاب12,08%   من النساء في الانتخابات الجماعية ي يونيو 2009
  5. احداث لجان استشارية  للمناصفة و تكافؤ الفرص لدى المجالس الجماعية
  6. تبني مقاربة النوع في اعداد برامج التنمية الجماعية ( مادة 14 و 36 من ظهير 1-08-153 ل 18 فبراير 2009،
  7. تبني مدونة الانتخابات n° 9-97   لثلاث مقتضيات مهمة لتوسيع المشاركة السياسية للمرأة، [1]
  8. خفض سن الترشيح الى 21 سنة ( فصل 41)
  9. احداث دوائر انتخابية اضافية  ( فصل 204-1 و 204-2)[2]
  10. احداث صندوق دعم تمثيلية النساء ( فصل 288 مكرر)[3]
  11. تبني القانون التنظيمي 59-11 المتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الترابية لبعض المستجدات مثل :
  12. احداث دوائر انتخابية اضافية في الجماعات الحضرية و القروية  (مادو 76 )[4]
  13. احداث كوطا ثلث المقاعد المخصصة للنساء في كل العمالات و الاقاليم و ( مادة 77) [5]
  14. ادخال سقف تمثيلية النساء بالثلث في الأجهزة القيادية للأحزاب  في افق المناصفة ( مادة 26 من القانون التنظيمي رقم 29-11 المتعلق بالأحزاب السياسية  [6]
  15. فرض احداث لجنة امناصفة و تكافؤ الفرص ضمن القوانين المؤسسة للأحزاب  (مادة 29 )
  16. فرض سف زمني للاحزاب كي تتأقلم مع المعطيات القانونية الجديدة لا يتعدى 24 شهرا

الان ما هي أنماط الاقتراع الأكثر ملائمة مع التمثيلية  السياسية العادلة للنساء؟

  1.  أصناف انماط الاقتراع و تأثيرها على المناصفة

عموما يمكن التأكيد ان لا و جود لنمط اقتراع مثالي يمكن له تحقيق المناصفة السياسية لكون كل الأنماط المعروفة لا تتمتع  بحساسية معينة مع  النوع لاجتماعي .

  • صحيح يجمع كل المتتبعين في هذا المجال ان نمط الاقتراع الأحادي الاسمي يعد من أسوء الأنماط  بالنسبة لتمثيلية النساء بالنظر الى عدم حساسيته للتتغييرات الاجتماعية و الديمغرافية و القيمية لتي تخترق المجتمع. اذ يعد نمطا محافظا يكرس هيمنة الرجل و الثقافة الذكورية و الأعيان.

غير أن هذا النقد الموجه لهدا النمط يبقى نسبيا اذا ما اردنا الحصول على نظام حزبي قوي  و على أغلبية سياسية قوية تتتمع بالمشروعية السياسية المنبثقة من الاقتراع.  كما أن هدا النوع من الاقتراع يعد مناسبا جدا للانتخابات المحلية بالنظر الى محافظته على العلاقة الانسانية و المجالية بين الأجهزة المنتخبة و المواطن العادي مما يساعد على تنمية الانتماء الجهوي للمواطنين و للمنتخبين من جهة و على تشجيع المشاركة السياسية علة المستوى الترابي.

كما يمكن الحد من الاثار السلبية المتعلقة بتمثيلية النساء فيه عبر فرض نظام الاقتراع اللائحي  المحترم لتناوب المتساوي بين الرجال و النساء  من جهة و عبر توسيع الدوائر الانتخابية من جهة أخرى لتشمل اللوائح اكبر قدر ممكن من المرشحين و المرشحات

  • نمط الاقتراع اللائحي النسبي و هو من الانماط التي تعتبر ،نظريا على الأقل من الأنماط  المتلائمة مع تمثيلية أكبر للنساء  بالنظر الى تجاوزه للعلاقة المباشرة بين الناخب و المرشح بما يسمح بتمثيلية أفضل للنساء و للفئات الاجتماعية المهمشة . غير أن تطبيق هذا النمط يفترض وجود شرطين اساسيين هما  عتبة معينة5  في المائة حتى لا يساهم في تشتيت المشهد الحزبي ثم توسيع عدد المقاعد المتنافس حولها بما يسمح بإدراج اكبر عدد ممكن من النساء
  • اجراءات خاصة للتوسيع تمثيلية النساء

[1] Cf. Dahir n° 1-08-150 du 2 moharrem 1430 (30 décembre 2008) portant promulgation de la loi n° 36-08 modifiant et complétant la loi n° 9-97 formant code électoral.

[2] Cf. Article 204-1. – Outre les circonscriptions électorales prévues aux articles 198 et 199 de la présente loi, est créée dans le ressort territorial de chaque commune ou arrondissement, selon le cas, une circonscription électorale dénommée ” circonscription électorale complémentaire “. Le nombre des sièges qui lui sont affectés est fixé conformément aux dispositions de l’article 204-2 ci-dessous.

L’élection au titre de la circonscription électorale complémentaire a lieu dans chaque commune ou arrondissement, selon le cas, au scrutin de liste à la représentation proportionnelle à un tour suivant la règle du plus fort reste sans panachage ni vote préférentiel, conformément aux dispositions prévues au titre IV de la troisième partie de la présente loi, sous réserve des dispositions du présent chapitre

[3] Cf. Article 288 bis.  « Il sera apporté, selon des conditions et modalités définies par voie réglementaire, un soutien destiné au renforcement des capacités de représentativité des femmes à l’occasion des élections générales communales et législatives et intitulé ” Fonds d’appui pour la promotion de la représentativité des femmes » .

[4] Cf. Article 76 « … L’une des deux circonscriptions électorales est réservée aux femmes sans pour autant qu’elles soient privées de leur droit de candidature dans l’autre circonscription électorale »

[5] Article 77 « Le nombre des membres à élire dans le conseil de chaque région, la répartition des sièges entre les préfectures, les provinces et les préfectures d’arrondissements composant chaque région et la répartition des sièges entre les deux circonscriptions électorales sont fixés par décret pris sur proposition du ministre de l’intérieur. Le nombre des sièges de la circonscription électorale réservée aux femmes dans chaque préfecture, province ou préfecture d’arrondissements doit représenter le tiers au moins des sièges réservés à la préfecture à la province ou à la préfecture d’arrondissements concernée au titre du conseil de la région.

La répartition des sièges entre les préfectures les provinces et les préfectures d’arrondissements doit tenir compte du nombre de la population légale de chaque préfecture province ou préfecture d’arrondissements. »

ظهير 1432 ل22 اكتوبر 2011 [6]

A propos CERSS مركز الدراسات 125 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire