التفاوتات وسياسات إعادة التوزيع في منطقة شمال افريقيا

مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية بشراكة مع كونراد ادنور ستيفتنغ المغرب ينظمان في اطار الدورة السابعة للندوات الدولية السنوية لدراسات شمال افريقيا ندوة حول موضوع التفاوتات وسياسات إعادة التوزيع في منطقة شمال افريقيا.

 

الندوة الدولية السنوية لدراسات شمال افريقيا

 الدورة السابعة

5-6 يوليوز 2024بالرباط

التفاوتات وسياسات إعادة التوزيع في منطقة شمال افريقيا

 

الورقة التأطيرية:

        يشكل استمرار التفاوتات الاجتماعية أحد أهم التحديات أمام جهود التنمية واستكمال بناء الدولة وتعزيز التماسك الاجتماعي في منطقة شمال افريقيا، بعد أزيد من عقد على اندلاع انتفاضات 2011. وإذا كان من الممكن اعتبار التفاوتات، بمختلف أنواعها ومستوياتها أحد الأسباب العميقة لهذه الأحداث فإن السؤال يبقى مطروحا حول مدى قدرة السياسات العمومية والإصلاحات التي عرفتها دول شمال إفريقيا بعد 2011 على تقليص هذه التفاوتات والاستجابة للطلب المتزايد على العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون وفي الولوج للحقوق والخدمات الأساسية.

       ولتجميع بعض عناصر الإجابة على هذا السؤال تنطلق الندوة من فرضية مركزية مفادها أن فهم التمظهرات المعاصرة لإشكالية التفاوتات في المنطقة لا يمكن أن يتم إلا على ضوء تقييم سياسات التوزيع وإعادة التوزيع التي شكلت جوهر مسار بناء الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار ومحاولة تحديد ما اذا كانت مسألة التفاوتات  تشكل عنصرا محايثا لبنية هذه الكيانات، أم أنها مجرد أعراض جانبية للاختيارات السياسية والاقتصادية التي تم اعتمادها في مرحلة ما بعد الاستقلال؟ يعد الجواب على هذا السؤال حاسما سواء بالنسبة لتحديد طبيعة التفاوتات، وأنواعها، ومستوياتها وتمظهراتها، أو بالنسبة لتقييم مختلف سياسات وبرامج إعادة التوزيع التي اعتمدت خلال هذه المرحلة. ففي الحالة الأولى ستكون التفاوتات مشكلة سياسية مرتبطة بمسار بناء الدولة وديناميتها، أما في الحالة الثانية فإنها ستكون مشكلة اقتصادية وتقنية وسياساتية. 

  • كيف نفهم التفاوتات في شمال إفريقيا

لا شك أن التفاوتات كانت دائما موجودة في التاريخ الحديث لمختلف مجتمعات شمال افريقيا، رغم أن العديد من مظاهرها كانت غالبا غير مرئية في نظام اجتماعي يقدم نفسه باعتباره جزء من الوضع الطبيعي للأشياء وللعالم (الدين، نظام القيم). غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي عرفتها المنطقة، مدفوعة بتجارب الانفتاح السياسي والاقتصادي، وتحسن مؤشرات التعليم والصحة، ساهمت في جعل هذه التفاوتات مرئية بشكل أكبر من أي وقت مضى.

وتطرح دراسة وقياس التفاوتات في المنطقة العديد من الصعوبات والتحديات، يتعلق بعضها بتحديد المفاهيم التي تؤطر إشكالية التفاوتات ومستويات تمظهرها في الواقع، في حين يرتبط البعض الاخر بمنهجية رصدها وقياسها. فإذا كانت بعض أدوات قياس التفاوتات المعتمدة دوليا تصنف العديد من دول المنطقة (المغرب، مصر، تونس والجزائر) ضمن الدول ذات معدلات التفاوت المعتدلة، فإن حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتصاعد موجة الاحتجاج التي بلغت أوجها سنة 2011، تجعل أدوات القياس هذه محط تساؤل، وهو ما جعل بعض الباحثين والمؤسسات الدولية يصفون مسألة التفاوتات في المنطقة باعتبارها لغزا.[1]

وإذا كانت التفاوتاتinequalities، بجميع أنواعها ومستوياتها، تشكلعائقا لجهود التنمية وتهديدا للتماسك الاجتماعي، فإن الاستنجاد بنقيضها، أي بفكرة المساواةequality لمواجهتها لا يمكن أن يكون حلا عمليا حقيقيا. فباستثناء الاتفاق الصريح أو الضمني، بين أغلب الفسفات الأخلاقية حول المساواة في الطبيعة الإنسانية، فإن هناك اختلافات جوهرية فيما بينها حول أهمية المساواة ودرجتها في بناء نظام اجتماعي قادر على إعادة إنتاج شروط استمراراه. وبمعنى آخر فإن السؤال لا يتعلق بمدى الرغبة في المساواة كقيمة أخلاقية بل بمستويات تحقيقها على أرض الواقع، ولذلك فإن كل مسعى للتفكير في التفاوتات باعتبارها إشكالية تنموية ينبغي أن يهتم بتحديد مستويات التفاوتات التي يؤدي تجاوزها الى إعاقة التنمية أكثر من الاهتمام بمستوى المساواة الذي يساعد بلوغه على تحقيق التنمية.

  • سياسات إعادة التوزيع وتحدي مواجهة التفاوتات

يهتم المحور الثاني بالبحث في مسألة التفاوتات في دول المغرب الكبير على ضوء سياسات إعادة التوزيع التي اعتمدت في كل دولة، انطلاقا من التساؤل حول ما إذا كانت مختلف تدخلات الدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال محكومة بمنطق إعادة التوزيع بالمعنى المتعارف عليه في الفكر السياسي الحديث. ورغم أن هذا السؤال قد يبدو أوليا وبسيطا، فإنه يبقى المدخل الأساسي الذي لا غنى عنه، سواء لفهم التمظهرات الراهنة لمسألة التفاوتات في المنطقة أو لمقاربة مختلف التدابير والإصلاحات الموجهة لمعالجتها، والتي شكلت جزءا أساسيا من مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول المنطقة، خاصة في مرحلة ما بعد انتفاضات 2011.

    إن الجواب عن السؤال أعلاه يمكن أن يساعد في فهم الأدوار التي اضطلعت بها بعض البرامج الاجتماعية والسياسات الجبائية المعتمدة في ضبط إيقاع الإصلاح وفي ديناميات تفاعل الدولة والمجتمع بشكل عام، سواء من حيث التحكم في ايقاع الإصلاح أو تأجيله في الدول ذات الاقتصادات القائمة على النفط والغاز (ليبيا والجزائر)، أو من حيث إذكاء المطالب بالإصلاح في الدول التي تعتمد في ماليتها العمومية بدرجات متفاوتة على الجبايات (المغرب، تونس ومصر).

      من هذا المنطلق سيهتم هذا المحور بالبحث في الطريقة التي تحضر بها مسألة التفاوتات في استراتيجيات التنمية في المنطقة، من خلال مستويين متكاملين ومتداخلين: يهتم المستوى الأول بتحليل التوجهات والخيارات الكبرى في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، والتي لا يمكن قراءتها واستكشاف دلالتها الا في إطار زمني طويل نسبيا. ويمثل النقاش حول النموذج التنموي في الحالة المغربية، على سبيل المثال، نقطة انطلاق لدراسة مكانة الإشكالات المرتبطة بالتفاوتات في تمثلات مختلف الفاعلين لإشكالية التنمية وكيفية مواجهة التحديات التي تطرحها. أما المستوى الثاني فيتعلق بتحليل مسألة التفاوتات من خلال السياسات العمومية التي تعتمدها الحكومات المختلفة ضمن الإطار الزمني لولايتها الانتخابية. ان هذا التمييز بين الزمن الاستراتيجي الطويل والزمن السياساتي، المرتبط نظريا على الأقل بالانتخابات، سيسمح بتسليط مزيد من الضوء على السؤال المطروح أعلاه، والمتعلق بأسباب التفاوتات في دول المنطقة، لتحديد ما إذا كانت مرتبطة بسياقات بناء الدولة أم أنها مجرد تمظهرات لإكراهات الظرفية السياسية والاقتصادية لتدبير الشأن العام.

  • التفاوتات وتحديات مناخ اللايقين

أدى التزايد الكبير للحاجيات مقابل محدودية الموارد بفعل التحولات السوسيو ديمغرافية وتقلبات الظرفية الاقتصادية إلى تعميق التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتقليص من هامش قدرة الفعل العمومي على مواجهتها والحد من تفاقمها، خاصة في الوقت الذي  أصبحت فيه أزمات الولوج إلى الخدمات العمومية في دول المنطقة و الإشكالات المرتبطة بالثقافة أو بالبيئة تشكل أحد عناصر القوة المحركة للأشكال الجديدة للاحتجاج التي يحتضنها العالم الافتراضي.

       وفي ظل السياق الدولي والاقليمي الراهن المطبوع بالتهديديات المرتبطة بمناخ اللايقين وتزايد حجم التحديات ذات الصلة بالتنمية الإنسانية التي تواجهها المجتمعات المعاصرة وتسارع وتيرتها (التغيرات المناخية، ندرة الموارد الطبيعية، تزايد المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية) فإن الطلب على العدالة الاجتماعية أضحى يشكل ضغطا كبيرا على الأنظمة القائمة بشكل يعادل أو يتجاوز أحيانا الضغط الذي شكله الطلب على الحريات في سياقات مختلفة.  غير أن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية المفاضلة بين الحريات العامة وسؤال العدالة الاجتماعية أو وجود تراتبية بينهما، ذلك أن السياق الحالي الذي يتسم بارتفاع منسوب الوعي ودمقرطة الوصول الى الفضاء العمومي أضحى يغير تدريجيا من طبيعة الإشكالات الناجمة عن التفاوتات ذات الطابع السوسيوقتصادي، بحيث يمكن أن تتحول بسهولة الى مصدر لتوترات اجتماعية لا تتمكن الحلول التقنية والاقتصادويةéconomiciste من احتوائها بسهولة. ان المخاطر المرتبطة بهذه الحلقة المفرغة، التي تتحول فيها اختلالات السياسة التوزيعية الى تحديات سياسية، هي ربما ما يجعل مسألة مواجهة التفاوتات الخيار الوحيد أمام الأنظمة القائمة في المنطقة لمواجهة التهديدات الوجودية التي أصبحت تفرض نفسها بشكل غير مسبوق.

تشكل هذه الندوة التي تنظم في إطار الشراكة التي تجمع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية ومؤسسة كونراد أديناور امتدادا للمشروع العلمي لمجموعة البحث الدولية في الدولة والمجتمع في شمال إفريقيا الذي ترعاه المؤسستان والذي يوفر للباحثين في قضايا شمال إفريقيا من مختلف أنحاء العالم فرصة لمناقشة وتدارس  قضايا الدولة والمجتمع ومختلف أبعاد ديناميات التغير الاجتماعي في منطقة شمال إفريقيا.

 

تنسيق:

محمد الهاشمي: أستاذ التعليم العالي .منسقمجموعة البحث الدولية في الدولة والمجتمع في شمال إفريقيا.

العربي الصديقي:رئيس قسم الدراسات الدولية بجامعة قطر

عبير إيبورك: منسقة المشاريع بمؤسسة كونراد أديناور

يرجى من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية الراغبين في المشاركة في الندوة الالتزام بالجدول الزمني التالي:

  • إرسال ملخصات الأوراق المقترحة في أجل أقصاه30 أبريل2024 على أن يعلن عن المقترحات المقبولة من طرف اللجنة العلمية بتاريخ10 ماي 2024 على البريد الإلكتروني للندوة:
  • تقديم الصيغة الأولية للأوراق بالنسبة للمقترحات المقبولة (10 صفحات على الأقل) في أجل أقصاه 25 يونيو 2024.
  • انعقاد الندوة يومي 5-6 يوليوز2024بالرباط.
  • ستنشرأعمال الندوة في مجلة دولية محكمة باللغة الإنجليزية وفي كتاب جماعي باللغة العربية.

[1]Krafft, Caroline; Davis, Elizabeth E. “The Arab Inequality Puzzle: The Role of Income Sources in Egypt and Tunisia” Working Paper GLO Discussion Paper, No. 405 accessed at:The Arab Inequality Puzzle: The Role of Income Sources in Egypt and Tunisia (econstor.eu). see also “Inequality, Uprisings, and Conflict in the Arab World” International Bank for Reconstruction and Development / The World Bank, 2015, accessed at: World Bank Document

 

 

 

ELHACHIMI-Call-for-papers-Inequalities-2024-Arabic-final-1-1
A propos CERSS مركز الدراسات 324 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*