محاكمة “إسرائيل” في لاهاي: هل تشكل نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية

 د. حميد بحكاك*


مقدمــة

 قامت دولة جنوب أفريقيا برفع دعوى قضائيةأمام محكمة العدل الدولية ب”لاهاي” ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي بتهمة الإبادة الجماعية وطالبت المحكمة بإجراءات احترازية مؤقتة لإيقاف العدوان، وقدمت ملفا يتكون من 84 صفحة معززا بالوثائق والشهادات والتصريحات والصور والفيديوهات التي تدين الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى تقارير المنظمات الدولية والإنسانية التي تصف الأوضاع المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة من جراء العدوان،والتي تعزز تهمة “الإبادة الجماعية” في حق الفلسطينيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ أمام مرأى ومشهد من العالم الذي يقف بين صامت وعاجز ومندّد.

وتعتبر “محكمة العدل الدولية” إحدى الهيئات الخمس لمنظمة الأمم المتحدة التي تختص بالجانب القضائي والنزاعات بين الدول، وقراراتها ملزمة، إلا أنها لا تملك صلاحية تنفيذها.

وتشتمل الدعوى على جزئين جزء يتعلق بتهمة الإبادة الجماعية التي تتطلب وقتا للبث فيها،والجزء الآخر استعجالي وهو المطالبة بإصدار تدابير مؤقتة أو تدابير احترازية لوقف العدوان على غزة.

في المرجعية القانونية للدعوى

استندت جنوب إفريقيا في دعواها ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” الصادرة بتاريخ 9 ديسمبر 1948 عن الأمم المتحدة ووقعتها كل من إسرائيل وجنوب إفريقيا، وهي اتفاقية تتكون من 19 مادة، ومنها المادة التاسعة المتعلقة بطبيعة اختصاص المحكمة والتي تنص “تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة1.

وتعرّف الاتفاقية “جريمة الإبادة الجماعية” وفق المادة الثانية كما يلي:

في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.

(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

وأثناء المرافعة قدم الفريق القانوني لدولة جنوب إفريقيا ما يفيد ارتكاب جنود الاحتلال الإسرائيلي جريمة الإبادة من خلال الصور وتصريحات لمسؤولين عسكريين وسياسيين إسرائيليين في الحكومة الإسرائيلية، وفيديوهات وصور لحجم الدمار والخراب، ونوعية الضحايا المستهدفين والمؤسسات ذات الطابع الإنساني كالمستشفيات والملاجئ والمدارس والمعابد التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، هذه المشاهد التي نقلها صحافيون كانوا هم في دائرة الاستهداف والقصف الإسرائيلي، إذ تجاوز عددهم 120 صحفي، هذه الأفعال حسب الفريق القانوني تتطابق وتتقارب مع ما تنص عليه المادة الثالثة من الاتفاقية المذكورة التي تنص على ” يعاقب على الأفعال التالية:

( أ ) الإبادة الجماعية.(ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية.( ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.( د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية.(هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية.

وجاءت دعوى دولة جنوب إفريقيا بعد فشل الأمم المتحدة ومجلس الأمن في تنفيذ قرار بوقف الحرب عدة مرات،آخرها تصويت الجمعية العمومية بأغلبية مطلقة بوقف اطلاق النار( 153 دولة)2وداخل مجلس الأمن والذي رفضته الولايات المتحدة الأمريكية من خلال استعمال “حق الفيتو”، الذي وفر الحماية السياسية لإسرائيل في الاستمرار في العدوان على غزة، فالتجأت جنوب إفريقيا إلى المحكمة العدل الدولية في مسعى قانوني وقضائي آخر لوقف الحرب على الفلسطينيين من خلال الإجراءات المؤقتة .

رمزيات المحاكمة والمدعي

هذه المحاكمة لها عدة رمزيات، منها أن جنوب أفريقيا عانت سابقا من الاحتلال وتحررت من نظام الفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل  في حق الفلسطينيين، والرمزية الثانية هي أن جنوب أفريقيا لا تنتمي إلى العالم العربي والإسلامي الذي يفترض أن يرفع الدعوى بحكم المشترك الديني والحضاري والإنساني والمؤسساتي ( جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، السلطة الفلسطينية )، والرمزية الثالثة هي أن هذه المحاكمة لا تعني اسرائيل فقط وانما هي محاكمة لمن دعمها ووفر لها الغطاء السياسي والاعلامي والدعم العسكري وهي الولايات المتحدة الأمريكية وملحقاتها من الدول الغربية و محطاتها الاعلامية التي رددت السردية الإسرائيلية ( إسرائيل ضحية لإرهاب حماس، وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها )، كما أن الدعم الأمريكي لإسرائيل تم في ظل إدارة “ديمقراطية” بقيادة الحزب الديمقراطي، وبالتالي هي محاكمة للنظام الغربي والشعارات الغربية حول حقوق الإنسان وحق الشعوب، والكيل بمكيالين وازدواجية المعايير كلما تعلق الأمر بالعرب والمسلمين وكل ما يتعارض مع مصالح الغرب.

كما كانت هناك علاقة تضامن وتعاون في السابق بين “منظمة التحرير الفلسطينية” الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني و”حزب المؤتمر الوطني الافريقي”، الذي قاد النضال ضد الميز العنصري في جنوب إفريقيا والذي كان الكيان الإسرائيلي تربطه به علاقة ديبلوماسية، وبالتالي فالسردية التي ترددها إسرائيل والإعلام الغربي التابع، أن حرب غزة بدأت في السابع من أكتوبر لن تنطلي على جنوب أفريقيا التي عايشت النضال الفلسطيني وتفاعلت معه منذ عقود من موقع الضحية لنفس السياسة العنصرية والاحتلال الاستيطاني.

ودولة جنوب إفريقيا عضو في مجموعة البريكس، “صوت الجنوب” المناهض للهيمنة الغربية سياسيا وعسكريا واقتصاديا وحضاريا، وهناك الرمزية الإفريقية للقارة التي تنتمي إليها دولة جنوب إفريقيا، كقارة عانت من الاحتلال والاستعمار والعنصرية الغربية بكل ألوانها الفرنسية والايطالية والإسبانية والألمانية، ولا زالت إفريقيا رغم شساعة مساحتها وعدد سكانها وثرواتها ومكانتها الجيوسياسية والجيو اقتصادية غير ممثَّلة بمقعد أو مقعدين في مجلس الأمن يناسب وزنها كعضو دائم. 

آثار وتداعيات المحاكمة

لأول مرة تمثل فيها إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية رغم السجل الإجرامي في حق الفلسطينيين والإفلات من العقاب الذي يمتد لعقود من الزمن، وكانت هذه الجرائم تحظى بالحماية الأمريكية في مجلس الأمن من خلال استعمال “حق الفيتو” ضد كل القرارات التي تدين إسرائيل، إلا أن هذه المرة يتعلق الأمر بهيئة قضائية أممية تابعة للأمم المتحدة.

إن مجرد ذهاب إسرائيل إلى لاهاي للرد على صك الاتهام الذي قدمه الفريق القانوني لجنوب إفريقيا يشكل نقطة تحول بالنسبة لإسرائيل، من حيث كونها تعودت على تحدي القانون الدولي والتمتع بحماية الفيتو الأمريكي والافلات من المساءلة القضائية، فمثول الاحتلال الإسرائيلي في محكمة لاهاي امام عدسات الكاميرات في محاكمة علنية يشاهدها العالم، هذا المشهد لم تتعود عليه إسرائيل وهذا ما أثار حالة من الهستيرية داخل إسرائيل حكومة وشعبا وجيشا، فالسادية والنرجسية الإسرائيلية لم تتعود على هكذا مشهد، وكذلك سقوط صورة “الديمقراطية الإسرائيلية”التي تحاكم بتهمة الإبادة الجماعية .

كما أن هذه المحاكمة، خلقت حالة من الارتياح الحذر وكسرت الجمود والسلبية المطلقة ومؤامرة الصمت اتجاه ما يجري، كما توالت الدول والهيئات المؤيدة لهذه المبادرة القضائية من دولة جنوب إفريقيا (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، ماليزيا، تركيا …….) بالإضافة إلى الدعوى التي سترفع أو رفعت إلى محكمة الجنائية الدولي من قبل محامين من شتى دول العالم.

قرار محكمة العدل الدولية

بعد المداولة أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها المتعلق بالإجراءات المؤقتة والذي تضمن الإجراءات التالية :

  1. تتخذ الإجراءات لمنع جميع الأفعال بما فيها القتل والتسبب بالضرر البدني وبالظروف التي تؤثر على الحياة والدمار المادي.
  2. اتخاذ التدابير اللازمة لتقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية فورا وتحسين الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
  3. اتخاذ إجراءات فورية للتأكد من منع تدمير الأدلة حول مزاعم ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
  4. تقديم تقرير للمحكمة حول كل التدابير المتخذة خلال شهر واحد من تاريخ إصدار القرار.
  5. معاقبة التحريض المباشر لارتكاب جرائم الإبادة الجماعية.

وبنَت المحكمة قرارها هذا على مجموعة من الحيثيات استندت عليها من مجموع الأدلة والوثائق والصور والتصريحات التي قدمها الفريق القانوني لجنوب إفريقيا في دعواه.

تفاوتت ردود الفعل والقراءات الدولية لهذا القرار، وأهم ملاحظة سجلها الجميع بما فيها دولة الاحتلال الإسرائيلي هو خلو لائحة الإجراءات المؤقتة من المطالبة العلنية والصريحة بالوقف الفوري لإطلاق النار، وهو ما اعتبرته إسرائيل انتصارا لها، في حين رأت جهات أخرى أن تطبيق هذه الاجراءات لا يمكن تحقيقه وتطبيقه إلا من خلال وقف إطلاق النار خصوصا الجانب الإنساني كتيسير المساعدات للشعب الفلسطيني، ويبقى التساؤل مشروعا حول مطالبة محكمة العدل الدولية بـــ”الوقف الفوري لإطلاق النار” في قرارها المتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، بينما في الحالة الفلسطينية الإسرائيلية لم يرد هكذا مطلب، وقد رحب الجانب الفلسطيني والدول العربية الإسلامية بقرار المحكمة.

خلاصة 

بعد قرار محكمة العدل الدولية يكون الاحتلال الإسرائيلي قد دخل منعطفا قانونيا وقضائيا، فمواجهة القانون والقضاء الدولي التابع للأمم المتحدة هو مواجهة مع العالم ومع الإنسانية وليس مع الفلسطينيين، مما سيحشر إسرائيل في الزاوية، ويحرج من يساعدها ويدعمها مما سيكون له أثر على المدى البعيد، حول القوانين الدولية ومدى مصداقيتها ونجاعتها على أرض الواقع، وهو الأمر الذي أنشئت من أجله الأمم المتحدة وصياغة ميثاقها بعدم تكرار ما جرى في الحربين العالميتين من مذابح ومجازر وإبادات جماعية.

كما أسقطت هذه المحاكمة مجموعة من السرديات، وعلى رأسها “معاداة السامية” الورقة التي ترفعها إسرائيل وتوظفها  في وجه كل من ينتقدها أو ينتقد سياسة الاحتلال بما فيها محكمة العدل الدولية، وأسقطت سردية “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” فلم يقف مساندا لإسرائيل في هذه المحاكمة بعد الولايات المتحدة الأمريكية سوى ألمانيا، التي ردت عليها دولة ناميبيا وذكرتها بالإبادة التي ارتكبتها ألمانيا في حق ناميبيا في بداية القرن الماضي، و”كانت ألمانيا مسؤولة بين 1904 و1908 عن مذابح في ناميبيا راح ضحيتها 70 ألف شخص على الأقل ينتمون إلى شعبي هيريرو وناما الأصليين، ويعتبرها عدد من المؤرخين أول إبادة جماعية في القرن العشرين”3.

بالتالي هذا القرار القضائي هو بداية معركة جديدة تنضاف إليها الدعوى المرفوعة إلى محكمة الجنائية الدولية ضد دولة الاحتلال، بالإضافة إلى النقاشات القانونية والسياسية والقضائية التي فجرتها هذه القضية حول ضعف منظمة الأمم المتحدة، وجدوى مجلس الأمن والقوانين والمواثيق والأعراف الدولية في حماية السلم والأمن الدوليين الذي أصبح يخضع لاعتبارات سياسية ومصالح و منطق القوة، مما يعزز مناخ فقدان الثقة في النظام الدولي الحالي و في القوانين والمواثيق  والمؤسسات الدولية الأممية والقضائية والإنسانية التي أصبحت تتعرض للهجوم من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي في تحد مرَضي سافر.

*باحث في مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية بالرباط

hbihkak65@gmail.com

المراجع:

1ـــــــ اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها https://rb.gy/a9v4qp

2 ـــــــ الجمعية العامة تتبنى قرارا لـ”وقف إطلاق نار إنساني” في غزة2023/12/12

https://rb.gy/mf8xxb

3 ـــ ناميبيا تنتقد موقف برلين من اتهام إسرائيل بارتكاب “إبادة” في غزة14.01.2024

https://rb.gy/yza0kj

A propos CERSS مركز الدراسات 324 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*