عودة إلى المسيرة الخضراء

تشكل المسيرة الخضراء إحدى اللحظات الخصبة التي لم يتوقف تأثيرها على مسار الأحداث السياسية في بلادنا، من خلال المكانة التي أخذتها منذ البداية على المدى الطويل، في ظل السياق الذي برزت فيه، وكذا من خلال منطق التفاعلات الذي انخرطت فيه عبر دوافعها وآثارها، باعتبارها إحدى اللحظات المضيئة في سردية التاريخ الوطني.

1- لقد شكل الخطاب الملكي الذي أعلن عن المسيرة الخضراء في1975  لحظة تأسيسية بدون شك، ومرحلة مبهرة، ومعلمة تاريخية. لم يكن هناك انطباع بأن أوساط المثقفين المغاربة آنذاك أدركت منذ البداية مدى أهمية هذه المبادرة التي ستتقوى بشكل تدريجي لتصبح حقيقة لها وزن كبير. خلال الأيام الأولى، أثار هذا الإعلان الإرادوي للعمل الجماعي في أوساط الرأي العام عموما، وفي أوساط اليسار بالخصوص، مواقف متباينة تراوحت بين التأييد  اللامشروط، والتملك الحماسي، مرورا بالتأييد الحذر، بل وحتى المعارضة، أو تقديم مقترحات بديلة كما هو معروف…

في أذهان الفاعلين، كانت تتدافع عدة مرجعيات تتراوح بين الإحالة إلى المسيرات السلمية التي سبق أن نظمها غاندي، ومارتن لوثر كينغ، أو المسيرات العسكرية لماو تسي تونغ، وشي غيفارا، وغيرهم… قبل أن تأخذ لاحقا تميزها وطابعها الخاص.. لكن خلال الأيام الموالية، بدأ مشروع مسيرة خضراء سلمية لمحو الحدود المصطنعة وغير الشرعية، يكتسب القوة والانسجام، وكذا على مستوى الإقناع، والتميز، وعلى مستوى التعبئة المناسبة  …

بدأت العناصر المكونة للحدث تتلاقى وتتقارب بسرعة: حيث ألقي خطاب إعلان المسيرة الخضراء مباشرة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية (منتصف أكتوبر 1975)، وكانت الاستعدادات اللوجستيكية متقدمة جدا منذ فترة مبكرة، ثم أعطيت إشارة انطلاق المسيرة الخضراء من أكادير (6 نونبر)، ورافقتها سلسلة من التدابير الإدارية، إلى جانب تعبئة شعبية كبيرة، وانتشار عسكري سري، وعمل دبلوماسي مكثف…

ثم جاءت لحظة تسارع فيها الحماس: انطلق التنظيم المغربي، وفجأة أصبحت المسيرة الخضراء، بحكم الواقع، قوة ديناميكية، وحركية قامت بهيكلة الحياة السياسية في البلاد، وفتحت آفاقا واعدة داخل كل ما كان يتحرك تحت سماء المغرب…

هناك العديد من الصور، والأفلام، والشهادات، والأوصاف المفصلة، والأبحاث العلمية التي سلطت الضوء، إلى حد ما، على القوة التي شكلها 350 ألف شخص كانوا يسيرون بحماس نحو الحدود التي رسمها، بشكل تعسفي، الاستعمار المتعدد الذي عرفته هذه المنطقة. وكان العديد من المواطنين الآخرين ملتصقين إلى أجهزة الراديو، أو كانت عيونهم شاخصة إلى شاشات التلفزيون. لم يكن شعار استرجاع الأراضي المسلوبة والمستعمرة، بكل تأكيد، شعارا صنعته الأوساط الحاكمة.

في أيامها الأولى، أخذت المسيرة الخضراء بسرعة، ملامح نهج حاسم، وذلك منذ انطلاقتها، مع انعكاسات سياسية وجيوسياسية ودبلوماسية، وأثر على الحياة الجماعية والفردية، وإلى غاية نهايتها.

2- لم يتم الكشف عن العديد من المعطيات التي كانت وراء حدث المسيرة الخضراء أو عرفها محيطها، سوى بعد مرور فترة طويلة خاصة من خلال الوثائق التي رفعت عنها السرية، ومنها الوثائق الأمريكية. وتكشف، بالخصوص، أرشيفات وزارة الخارجية الأمريكية التي رفعت عنها السرية بعد خمسين عاما، والمتعلقة بأـنشطة كيسنجر، كيف أن هذا الأخير دخل على خط هذا الصراع الإقليمي وهو ما يزال في بداياته.

كان هنري كيسنجر قد تم تعيينه وزيرا للخارجية في 1973، وكان يشغل مسبقا منصب مستشار في مجلس الأمن القومي على عهد الرئيس ريشارد نيكسون منذ 1969. وقد ظل يشرف على تدبير السياسة الخارجية الأمريكية إلى غاية 1977. وحصل على جائزة نوبل للسلام نظرا للدور الذي لعبه في المفاوضات التي أنهت الحرب بين الولايات المتحدة وفيتنام.

سيكتشف كيسنجر بوادر هذا الصراع الجديد خلال جولته في الشرق الأوسط بعد حرب أكتوبر، عندما جاء يطلب المشورة من الراحل الحسن الثاني بخصوص تسوية محتملة للنزاع في الشرق الأوسط. كما زار كيسنجر كلا من تونس ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية. وخلال جولته الأولى، قام بتقييم الصراع الذي تعرفه منطقة المغرب العربي منذ انطلاق المسيرة الخضراء. وقد صرح  الحسن الثاني لاحقا بأنه ظل على اتصال دائم مع كيسنجر عند قيام هذا الأخير بعدة زيارات إلى المغرب والجزائر وإسبانيا.

وقد تأكد الاهتمام الأمريكي بهذا النزاع الناشئ بمجرد إعلان إسبانيا عن عزمها الانسحاب من الصحراء. وطيلة أسفاره وتنقلاته بين هذه البلدان الثلاثة المعنية، واجه كيسينجر صعوبات كبيرة في تدبير العلاقات بين الرباط والجزائر ومدريد بخصوص مستقبل إدارة الأقاليم الجنوبية. كان موقف إسبانيا يتأرجح بين المغرب والجزائر، فكان يميل، تارة، نحو هذا الطرف، وتارة نحو الطرف الآخر خلال فترة مرض فرانكو، وتولي الملك خوان كارلوس السلطة.

تكشف الوثائق التي رفعت عنها السرية أنه رغم دعم الجزائر المعلن للاتفاق المغربي الإسباني حول نقل السيادة على الصحراء إلى المغرب موريتانيا، فإن موقفها لم يكن واضحا. واعتبرت الأجهزة الأمريكية، حسب الوثائق المذكورة، أن الأمر يتعلق بمناورة دبلوماسية لانتزاع اعتراف المغرب بجزائرية مدينة تندوف، ومصادقته على اتفاقيات إفران الموقعة في 1969، وفرصة للانتقام من  “حرب الرمال ”.

في خضم النقاشات التي جمعت بين كيسنجر والملك الراحل الحسن الثاني، ومن خلال عملية فكها لرموز الاستعدادات للمسيرة الخضراء، كانت المخابرات الأمريكية تتسائل عما إذا كان المغرب يستعد للقيام بتدخل عسكري على ثلاث جبهات (إسبانيا، الجزائر، الانفصاليون…). وقد تم تفسير عدة مؤشرات في هذا الاتجاه. بحيث تم اعتبار الاستعدادات للمسيرة الخضراء بمثابة استعدادات لتدخل عسكري. ومما لا شك فيه أن التوجه نحو تغليب القراءة العسكرية لما يجري في المغرب، كان هو السائد نظرا للمطالب المغربية الملحة آنذاك بالحصول على الأسلحة (دبابات من طراز إم6، طائرات إف  5، صواريخ، مدافع من عيار  155بهدف مواجهة طائرات ميغ 21 ودبابات تي 62).

وقد طمأن الملك الأميركيين، وأوضح لهم بأن ما يقوم بالإعداد له ليس له أي طابع عسكري.

3- لم يأخذ الملك في الاعتبار في أي وقت من الأوقات بنصيحة كيسنجر  “الحازمة للغاية” ، والتي طالب فيها بإلحاح من العاهل المغربي بالتراجع، وبالتخلي عن المسيرة الخضراء. وقد بعث كيسنجر بعدة رسائل إلى الملك يناشده فيها بأن يتراجع عن المسيرة، ويبلغه بتهديدات الرئيس الجزائري والسلطات الإسبانية. ولكن ذلك بقي بدون جدوى. وينبغي، في هذا الصدد، أن نقرأ الوثائق التي رفعت عنها السرية بوزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية لنعرف إلى أي حد كان الرفض القاطع للملك يثير الإعجاب. رغم تحذيرات كيسنجر، واصل الحسن الثاني مشروعه. وقد نقل إليه وزير الخارجية الأمريكي كلام بومدين الذي كان يقول فيه بأن الملك الحسن الثاني يلعب بالنار وبأن: ” المغرب ليس له أي مصلحة في أن يدخل في نزاع مع الثورة الجزائرية، في حين أن الجزائريين لا يخشون من هذا الاحتمال. فنحن ثوار، واعتدنا على القتال. وأنا ليس لدي عرش أخسره مثل الحسن… “. إلا أن الملك لم يغير من موقفه. كما نقل كيسينجر رسالة تحذير أخرى بعثها كورتينا (وزير الخارجية الإسباني)، وجاء فيها: ” لقد تلقت قواتنا المسلحة الأوامر بصد أي محاولة للاجتياح. إن الحسن الثاني يلعب بعرشه، ويريد أن يصرف رأيه العام عن مشاكله الداخلية. إسبانيا ليس لديها أية نية لتدفع ثمن أخطائه. لهذا أطلب منكم أـن تبذلوا كل ما في استطاعتكم لتجنب العواقب المأساوية التي من المؤكد أنها ستترتب عن هذه المسيرة”.

كان كيسنجر في كل مرة يستمع فيها إلى الملك، لا يستطيع عدم الاعتماد أيضا على وثيقة وليام كولبي بتاريخ 3 أكتوبر 1975 والتي جاء فيها ما يلي: ” قرر الملك الحسن الثاني، تحت ضغط الجيش، أن يغزو الصحراء الإسبانية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة. الملك يحس بالثقة لأنه يعتقد أن غالبية القوات الإسبانية غير مدربة بشكل جيد وسترفض القتال. كما يشكك المغاربة في احتمال تدخل الجيش الجزائري، لكن يمكنهم، كإجراء ردعي، استدعاء قوات من دول حليفة مثل: سوريا، ومصر، وفلسطين،  وربما السعودية… وحسب رأينا، فإن الملك الحسن يقلل، بشكل كبير، من قدرات الإسبان على الرد على مشروعه لاجتياح الصحراء. في حال التدخل المباشر للجزائر، يمكن للمغاربة أن يحققوا بعض النجاحات  في البداية، نظرا لتفوقهم العددي في المنطقة. إلا أنه من المرجح جدا أن تقوم الطائرات المقاتلة الجزائرية، التي يبلغ عددها حوالي 200، بتغيير الوضع بسرعة في مواجهة 40 طائرة مقاتلة مغربية، خاصة أن القوات الجزائرية لديها بشكل عام، تدريب وتجهيز أفضل”.

لم تتجاوز الاتصالات بين كيسنجر والعاهل المغربي مستوى النصائح  “القوية “. وبشكل عام، لا يبدو أن القوة الأمريكية، قد عارضت المسيرة الخضراء بشكل جدي، ولكنها كانت منشغلة بالأحرى بمنع حصول مواجهة عسكرية في المنطقة. وقد أتيحت لكيسنجر الفرصة ليشرح هذا الموقف مباشرة لبوتفليقة حيث قال له: ” نحن ليست لدينا مواقف معارضة للجزائر. لكن مجرد منع المسيرة الخضراء كان سيؤدي إلى تدمير العلاقة التي تربطنا مع المغرب. وكان ذلك سيشكل نوعا من الحصار”.

في  مرحلة لاحقة، عند وصول الرئيس كارتر إلى السلطة، أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة والمغرب أكثر تعقيدا. في البداية على الأقل، ستكون العلاقات صعبة في ظل أجواء تتميز بتحسن واضح للعلاقات بين الولايات المتحدة والجزائر، وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب والتي يعود تاريخ إنشائها إلى الحرب العالمية الثانية.

4- كيف يمكننا تحليل النهج الذي سارت عليه المسيرة الخضراء؟ هل يتعلق الأمر بمنظور شمولي مدعوم باستراتيجية ذات طبيعة أكثر عملية؟ هل هي مجرد سياسة عمومية مسلحة تنبني على أساس مجموعة من برامج العمل؟ كل هذه المكونات حاضرة في التعريف الذي يمكن تقديمه لهذا النهج. وتتوفر لدينا اليوم عدد من العناصر الشفوية والمكتوبة، والشهادات، والدراسات التي تساعد على فهم أفضل للدوافع التي حركت، وأنتجت لنا هذا الحدث الكبير في تاريخ المغرب المعاصر. مذكرات وكالة المخابرات الأمريكية تبدو ملخصة وجزئية في هذا الصدد. فالمذكرة التي أنجزتها الوكالة بتاريخ 6 شتنبر جاء فيها مثلا:  “يأمل الملك في أن تؤدي الحملة التي أطلقها لاستعادة الصحراء الإسبانية إلى تعزيز موقعه، وإلى صرف الرأي العام عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها بلاده … لكنه إذا فشل، فإن الضغوط الداخلية ستكون كبيرة إلى درجة أنها قد تؤدي إلى سقوطه، وإذا ما اندلعت حرب بين الجيشين المغربي والجزائري، فإن النتيجة لا يمكن التنبؤ بها “.

عند حديثه عن المغاربة، يبدو الباحث الأمريكي جون واتربوري قاطعا في حكمه: فالمغاربة ليس لهم حس استراتيجي حسب ما جاء في مؤلفه الشهير ” أمير المؤمنين “، لأنهم يتصرفون، بحسب الظروف، ولهم حس تكتيكي قصير النظر. وهذا ما تفنده المسيرة الخضراء بوضوح على مستوى البنية المفاهيمية وكذا العملية. فالمسيرة الخضراء تظهر، في الأساس، كحركة براغماتية ذات أهمية استراتيجية تمت في سياق دولي مناسب.

وهي في حد ذاتها تندرج في سياق سلسلة من الأحداث مثل: استرجاع المغرب لسيدي إفني، والاعتراف بموريتانيا، والاتفاقيات المتعلقة بالحدود مع الجزائر، وانعقاد المؤتمر الإسلامي في الرباط، ووضعية تتسم بنوع من الهدوء في منطقة الشرق الأوسط بعد حرب  1973مع تحركات كيسنجر كمفاوض من أجل البحث عن سلام شامل، في فترة كان المغرب على عهد الحسن الثاني، يقدم نفسه كوسيط بين مصر وإسرائيل. أما في الجانب الأوروبي، فكانت إسبانيا، في فترة احتضار الرئيس فرانكو، تستعد لدخول مرحلة انتقال ديمقراطي.

أما العوامل الداخلية فلم تكن غائبة تماما: بعد محاولتي الانقلاب في بداية السبعينيات، جاءت أولى ردود الفعل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام على التجارب التي عاشها، مع تسجيل موقف الانتظارية والترقب الملحوظ لدى الفاعلين السياسيين الوطنيين. كما كان هناك تفاعل بين الفاعلين الجهويين (الجزائر وليبيا) اللذان كانا يعولان على حصول انقسام في الجبهة الداخلية، هذا إلى جانب إعادة تشكل صعب للمشهد السياسي، مع انتشار الجيش في  المناطق الجنوبية…

إلى جانب كل ذلك، نتوفر اليوم على معلومات أكثر حول: من أين جاءت فكرة المسيرة الخضراء، وكيف، وفي ظل أية ظروف نشأت في ذهن صانع القرار الرئيسي، وما هي أهدافها في البداية… إلا أن هناك العديد من الجوانب التي ما تزال غامضة بحيث تبقى  “المسيرة الخضراء”  ورشا واعدا بالنسبة للبحث الأكاديمي المتخصص.

في مثل هذا النوع من عملية صنع القرار، من الضروري أن تتوفر شروط معينة. وقد أشار الملك الراحل الحسن الثاني في مذكراته إلى أن ما أعطى قوة أساسية للمشروع الكبير للمسيرة الخضراء هو طابع السرية من جهة (كان عدد الأشخاص المطلعين عليها قليل جدا)، ومن جهة أخرى، كان هناك عنصر المفاجأة باعتباره أمرا حتميا، خاصة فيما يتعلق بالقوى المعادية.

5- لقد أصبحت المسيرة الخضراء مكونا أساسيا في السردية التاريخية الوطنية للمغرب اليوم. أصبحت موضوعا هيكليا له قوة غير مسبوقة بالنسبة للعديد من المبادرات التي ستأتي مستقبلا. وهي لا تقل أهمية عن الأحداث الكبرى التي طبعت تاريخ المغرب على المدى الطويل مثل: الملاحم الأندلسية والمغاربية، والصمود في وجه الهجمات القادمة من الشمال، ومعركة الملوك الثلاثة، وتحالف المؤسسة الملكية مع الحركة الوطنية ( ثورة الملك والشعب)…

أصبحت  “المسيرة الخضراء”  حدثا هاما يحمل في طياته سلسلة من الوقائع الكبرى: العهد الجديد، وما أطبق عليه اسم  “المسلسل الديمقراطي “، ومحاولات التناوب في1992  و1993، وحكومة التناوب نفسها، حتى مجيء العهد الجديد، وربما “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وكل مساهمات  النزعة الإصلاحية السياسية المغربية (على المستويات المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، وعدد من عمليات إعادة الترتيب الداخلي الجديدة، وإعادة تشكيل المشهد والفاعلين السياسيين… لقد أعادت المسيرة الخضراء في الواقع تنشيط الحوار السياسي الوطني على المدى البعيد. ويمكن أن ينسب لها الفضل في إنشاء تحالف جديد بين المؤسسة الملكية والشعب.

ومن المفارقة أن تأثير المسيرة الخضراء سيندرج في المدى البعيد الذي سيتميز ببروز توجهات متعددة. وسيتميز، بالخصوص، بحرب استمرت من1976  إلى غاية وقف إطلاق النار بشكل رسمي في 1991 (رغم أن الاشتباكات المسلحة كانت، في الواقع، قد فقدت ضراوتها منذ 1986 مع بناء الجدار).

إن هوية العمل السياسي التي تشكلها المسيرة الخضراء تستدعي تحقيبا آخر للحياة السياسية، وبالتالي فهما آخرا لها. إن أهميتها ومركزيتها، وحقيقة أنها ستخلق ديناميكيات جديدة لها أهميتها، يتطلب تقسيما آخر للمراحل التاريخية، وللزمانية السياسية المغربية، وكذا لما يحرك الفاعلين فيها.

6- هناك مجموعة من الخلاصات الرئيسية التي تفرض نفسها وبقوة  :

–  تشكل المسيرة الخضراء لحظة مهمة في تاريخ المغرب المعاصر على العديد من المستويات. وقد دشنت ما سمي بـ ” الهامش الديمقراطي”  الذي كان من المفترض أن يتطور كل يوم وأن يتسع أكثر فأكثر.

– المسيرة الخضراء شاهد على العقلية الاستراتيجية للمغاربة، وعلى مهاراتهم التكتيكية. وقد أظهرت البلاد قدرا كبيرا من البراغماتية التي فاجأت الأصدقاء والأعداء، كما أظهرت قدرة كبيرة على المناورة بروح من الاعتدال والحكمة.

– المسيرة الخضراء كانت المنطلق لتحولات سياسية جذرية، ولكن في ظل الاستمرارية. ففي وقت كانت هناك مخاطر قصوى، تم تدشين حرب مباشرة في مواجهة أربع دول (كوبا وليبيا والجزائر وإسبانيا)، وهي دول كانت تساهم، حسب إمكانيات كل واحدة منها، في دعم أعداء الوحدة الترابية للبلاد. لقد كانت هذه الحرب فرصة للنظام لرفع التحدي، ولترسيخ جذوره، وتقويتها …

–  شقت المسيرة الخضراء طريقها بثبات في ظرفية جيوسياسية كانت تعرف، بالتأكيد، عوامل مناسبة، إلا أن المخاطر والتهديدات لم تكن محدودة على الإطلاق. خلال رحلاته المكوكية بين عواصم المنطقة، قام كيسنجر بإخبار الرئيس الجزائري بأن الولايات المتحدة منحت الجزائر صفة القوة الإقليمية. لكن العديد من العوامل ستعمل ضدها مثل: نجاح المغرب في ضم الصحراء، وسقوط نظام فرانكو، وإقامة تحالفات جديدة.

لقد استخلص الملك الراحل الحسن الثاني، بحسه الفلسفي، بأن التحالفات مع الغرب غير آمنة إلى درجة أنها تبدو عشوائية. وقد سجل في مذكراته بأن التحالف مع الغرب يشبه دخول ما يشبه ذلك النادي الذي تكون فيه العلاقات بين الأعضاء غير ملزمة بأي شكل من الأشكال، عكس ما يحدث في التحالف الذي يجمع بين دول المعسكر الاشتراكي.

ترجمة محمد مستعد

https://alyaoum24.com/1854786.html

A propos CERSS مركز الدراسات 322 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*