عملية “طوفان الأقصى”، الدلالات والتداعيات

د.حميد بحكاك*

 مقدمة

 في يوم 7 أكتوبر 2023، قامت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناج العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بهجومها المباغت على مستوطنات “غلاف غزة” وبلدات إسرائيلية بالجنوب، وأسفرت العملية حسب الرواية الإسرائيلية  ( إلى حدود اليوم الخامس عشر ) عن مقتل 1400 إسرائيلي، من بينهم 307 جنود، بينما بلغ عدد الجرحى أكثر من 5 آلاف جريح، وسقوط 210 أسرى في يد المقاومة الفلسطينية، ونحو مئة في عداد المفقودين. وقد أكدت المقاومة وجود ما بين 200 و250 أسيرا إسرائيليا في يديها، وقد قُتل منهم 22 حتى الآن، محملة إسرائيل المسؤولية عن مقتلهم، بسبب قصفها العشوائي على قطاع غزة1.

وردت إسرائيل على عملية “طوفان الأقصى” بعملية أسمتها “السيوف الحديدية” راح ضحيتها منذ بدئها قبل 15 يوما وحتى يوم الجمعة 20 أكتوبر، أكثر من 4137 شهيدا، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، بينما وقعت المجازر في أكثر من 500 عائلة. وكان من بين الشهداء 46 من الطواقم الطبية، و16 من موظفي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، و20 صحفي فلسطيني، كما جُرح في العدوان الإسرائيلي على غزة أكثر من 13 ألفا، بينما لا يزال 1400 إنسان في عداد المفقودين، نحو نصفهم من الأطفال، بينما نزح نحو نصف سكان القطاع إلى الجنوب2.

  

السياق الداخلي والإقليمي

جاءت هذه العملية ردا على التطورات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمتمثلة في صعود اليمين الإسرائيلي وتشكيله لحكومة يمين متطرف برئاسة “بنيامين نتانياهو” بتوجهاتها العنصرية، ورفع وتيرة الاستيطان والاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية وعلى المصلين، كما ساهمت حكومة اليمين المتطرف من خلال وزير الأمن القومي الإسرائيلي “إيتمار بن غفير” في تدهور وضعية وظروف آلاف الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال.

كذلك جاءت هذه العملية في إطار الغليان الإسرائيلي الداخلي وما أحدثه من انقسام حاد على خلفية ما عرف بالإصلاح القضائي، وانقسام المجتمع الإسرائيلي إلى مستوى رفض جنود اسرائيليين القيام بالخدمة العسكرية وعصيان عسكري.

وعلى مستوى العالم العربي تم توقيع اتفاقية ابراهام مع بعض الدول العربية بضغط أمريكي ( كحالة السودان مقابل رفعها من لائحة الدول الراعية للإرهاب ……)  والهدف الإسرائيلي من اتفاقيات ابراهام هو تصفية القضية الفلسطينية وإخراجها من الأجندة العربية أو تهميشها في الحد الأدنى وتبني مفهوم “السلام” في الصيغة الإسرائيلية.

السياق الدولي

  • جاءت هذه العملية والعالم مشغول بالحرب الروسية الأكرانية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والجيوسياسية على العالم والتي مازالت مستمرة دون أفق لحلها.
  • تركيز الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها وتوجيه جهودها المالية ومعوناتها العسكرية إلى أوكرانيا لهزيمة روسيا أو إلحاق خسائر بها ومنعها من الانتصار في معركة استنزاف طويلة الأمد، في الوقت نفسه محاصرة وتطويق الصين بمجموعة من التحالفات مع جيرانها من خلال اتفاقيات أمنية وعسكرية واقتصادية (الهند، اليابان، تايوان) مما جعل من منطقة آسيا أولوية في الاستراتيجية الأمريكية في العقود المقبلة.
  • تصاعد النزعة المعادية للهيمنة الغربية اقتصاديا وعسكريا وثقافيا، وما أحدثته من تشققات في جدار التحالف الغربي (رسائل دول البريكس في القمة الأخيرة المنعقدة في جنوب إفريقيا، وانضمام دول محسوبة على المعسكر الغربي إلى البريكس، حديث أوروبا عن استقلال استراتيجي والخروج من الوصاية الأمريكية كما صرح بذاك الرئيس الفرنسي “إمانويل ماكرون” بعد زيارته للصين، مطالبة فرنسا بالرحيل من إفريقيا من قبل بعض الدول والشعوب الإفريقية وتصاعد النزعة المعادية لها في إفريقيا لفائدة روسا والصين …..).

المواقف الدولية

إثر عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي، أعلنت الولايات المتحدة مساندتها لإسرائيل ونددت بما أسمته إرهاب حركة حماس، وفي نفس الاتجاه سار الموقف الأوروبي ( الفرنسي، البريطاني )، بالنسبة للدول العربية فقد نددت بشكل عام بما تفعله إسرائيل واعتبرت طوفان الأقصى وعمل المقاومة الفلسطينية نتيجة الحصار والتجويع والتقتيل الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين وطالبت بحماية المدنيين من كلا الجانبيين، وعلى المستوى الشعبي انطلقت مظاهرات ومسيرات في الدول العربية والإسلامية وفي دول العالم منددة بالمجازر التي ترتكبها إسرائيل في حق المدنيين العزل، خصوصا بعد القصف الإسرائيلي لمستشفى المهمداني في قطاع غزة والذي راح ضحيته أكثر من 500 شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء، أمام وصمت أو عجز المجتمع الدولي عن حماية الفلسطينيين المدنيين.

 

الغرب والمعايير المزدوجة

كما أظهرت المواقف الغربية ( أمريكا وبعض الدول الأوروبية) اتجاه ما يجري في المنطقة سياسة المعايير المزدوجة التي تنهجها الحكومات الغربية كلما تعلق الأمر بالجرائم الإسرائيلية، وجاء تزامن هذه الجرائم الإسرائيلية مع الحرب الأوكرانية الروسية ليظهر للعالم هذا التناقض الغربي بين الشعارات والممارسات والكيل بمكيالين، ففي الوقت الذي ندَّد فيه الغرب الأمريكي الأوروبي بالعدوان الروسي على أوكرانيا واعتبر ذلك احتلالا روسيا لأوكرانيا وإصدار مذكرة اعتقال دولية في حق الرئيس الروسي بوتين3، في الحالة الفلسطينية يتحدث الإعلام الغربي عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، كما جاء في البيان” الأمريكي الأوروبي” المشترك .

كما أن المعايير المزدوجة للغرب لم تقف عند التعامل مع القضية الفلسطينية، وإنما تعدته إلى منع الحق في التظاهر السلمي والحق في التعبير السلمي بالنسبة للمواقف المساندة للشعب الفلسطيني والمنددة بالمجازر الصهيونية، بينما تمَّ السماح للمسيرات والآراء المساندة لإسرائيل وشيطنة حركة “حماس” بالتعبير والتظاهر، كما حدث في فرنسا وألمانيا.

في الدلالات

تشكل هذه العملية تطورا نوعيا في أسلوب المقاومة الفلسطينية، من حيث الطابع الهجومي الدفاعي و المباغت واختيار التوقيت والهدف، وتوزيع الأدوار بينها وبين باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى على رأسها “الجهاد الإسلامي” من خلال ما اصطلح عليه بــ “وحدة الساحات”، الذي يشمل محور المقاومة (إيران، سوريا، حزب الله في لبنان …….)، وكذلك ظهور جيل جديد من المقاومين (عرين الأسود ..)، والعمليات الفردية النوعية داخل أراضي 1948.

كما أبانت هذه العملية أن المقاومة الفلسطينية حامية القضية الفلسطينية لا زالت حية وصامدة ازاء محاولات القتل المادي من خلال الاعتداءات والعقاب الجماعي للفلسطينيين من خلال الحصار والتجويع والمجازر المتكررة للاحتلال الإسرائيلي، والقتل المعنوي كتجريم المقاومة الفلسطينية واعتبارها إرهابا وتسخير الآلة الإعلامية لذلك غربية إسرائيلية وعربية، والضغط الأمريكي على الأنظمة من أجل التطبيع مع إسرائيل.

في التداعيات  

أمام حجم ونوعية عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس، وعملية “السيوف الحديدية” التي رد بها الاحتلال الإسرائيلي، وحجم الخسائر البشرية خصوصا المدنيين بعد مذبحة قصف مستشفى  المهمداني ( أكثر من 500 شهيد أكثرهم من الأطفال)، فإن هذه العملية وما تبعها من مجازر ارتكبتها إسرائيل في حق المدنيين الفلسطينيين في قصف متواصل لا زال مستمرا لأكثر من أسبوعين، أسفرت عن :

1 إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية وعودة الحديث عن حل القضية الفلسطينية وحل الدوليتين، وحماية المدنيين وتطبيق القانون الدولي والإنساني والتحقيق في الجرائم المرتكبة ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم.

2 إسقاط مشاريع التطبيع مع إسرائيل أو إبطال مفاعيلها على مستوى المنطقة (وقف مفاوضات التطبيع مع المملكة العربية السعودية …)  أمام موجة الغضب الشعبي في البلدان العربية والإسلامية والعالمية، والمطالبة برفض التطبيع وطرد سفراء إسرائيل من الدول التي تربطها علاقة ديبلوماسية داخل العالم الإسلامي، هذه الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتانياهو” نصرا ديبلوماسيا لإسرائيل ولحكومته.

3 هذه العملية النوعية أدت إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية و شكلت ضربة لأطروحة “الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر” و الذي يحقق ويحمي الأمن والاستقرار الإسرائيلي التي تقوم عليها السياسة الإسرائيلية في جذب يهود العالم إلى إسرائيل، وخلقت حالة من القلق الوجودي لكيان إسرائيل ومس بمعنويات الإسرائيليين، والذي تغذيه بعض المعتقدات اليهودية والتلموذية التي تتحدث عن زوال إسرائيل كما زالت “ممالك إسرائيل” في السابق والتي لم تعمر أكثر من ثمانية عقود، أو بدأت في التفكك منذ العقد الثامن لها حسب بعض النبوءات الإسرائيلية4 .

4 السقوط الأخلاقي للغرب المنحاز لإسرائيل في حديثه عن حقوق الإنسان وتبنيه للمعايير المزدوجة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وكذلك التغطية الإعلامية الغربية المتحيزة للاحتلال الإسرائيلي والتركيز على شيطنة المقاومة الفلسطينية، وترديد السردية الإسرائيلية التي تقوم على مفهوم “إسرائيل الضحية” و “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”،  دون الحديث عن جذور الصراع وأسبابه، كما عودتنا بعض التحليلات الغربية الرصينة المحاصرَة إعلاميا والمقموعة على قلتها، وقد ظهر ذلك جليا لمن تابع التغطية الغربية الإعلامية لأحداث غزة والتي لم تحترم القواعد المهنية والمعايير التحريرية في تغطية الحروب والأزمات.

5 أنسنة القضية الفلسطينية وعولمتها، إذ لم تعد القضية الفلسطينية قضية فلسطينيين او قضية عرب و مسلمين و مسيحيين ( قصف الكنائس ومستشفياتها) وحدهم،  فمع اتساع المظاهرات عبر العالم أصبحت القضية قضية رأي عام عالمي نظرا لبعدها الإنساني، فالاحتلال والعنصرية والتهجير وقتل النساء والأطفال مرفوض في الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية، وما عكسته المواجهة الإعلامية والمعلوماتية على مستوى القنوات والفضائيات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي على المستوى العالمي، وتحول “الفاسبوك و”تيك توك” إلى ساحة وميدان أسلحته الصوت والصورة والكلمة المكتوبة والمسموعة، وانخرط فيها مشاركون من مختلف الجنسيات والأعراق والأديان والألوان، ودخول إدارة الفيسبوك كطرف في الصراع من خلال حذف المحتويات المؤيدة للفلسطينيين.5

6 تصاعد العداء ضد أمريكا والغرب عموما مؤسساتيا ( دول البريكس، المحور الإيراني الروسي الصيني ) وشعبيا  من خلال المسيرات العالمية المنددة بالمجازر الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة بدعم أمريكي ( تصريح الرئيس الأمريكي “جو بايدن” حول ضرورة وجود إسرائيل لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط “ولو لم تكن هناك إسرائيل الحالية لخلقت أمريكا إسرائيل أخرى” كما صرح بذلك)6 وهذه الفجوة بين الدول الغربية ودول الجنوب الآخذة في الاتساع، تصب في مصلحة الصين الاستراتيجية في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية والهيمنة الغربية وتوسيع نفوذها في المنطقة (توسطها في إعادة العلاقات بين السعودية وايران ) ونفس الامر مع روسيا، ويضاف إلى ذلك  نهج سياسة “الحياد” اتجاه أطراف الصراع بخلاف الموقف الأمريكي المنحاز إلى إسرائيل.

7 التخوف من توسيع دائرة الصراع على المستوى الإقليمي ودخول أطراف أخرى وهو ما لا تحبذه أمريكا في الوقت الحالي لانشغالها بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ومحاصرة الصين، مما يعني أن الأولوية في الأجندة السياسية الأمريكية هو في اتجاه آسيا والمحيط الهندي، وحسب بعض المحللين كانت هذه الاعتبارات دافعة لزيارة “بايدن” إلى إسرائيل في اليوم 12 من الهجوم على غزة، لدعم إسرائيل وضبط حدود هذه الحرب وإنذار لأطراف إقليمية (حزب الله، إيران ….) بعدم التدخل، كما أن تحريك حاملات الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” إلى بجانب إسرائيل رأى فيها محللون مؤشر على ذلك. 

خلاصة:

يبدو أن الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي دخل منعطفا سيعيد القضية في أبعادها السياسية والإنسانية إلى الواجهة الدولية بعد أن كاد يطويها النسيان، ونقطة استقطاب بين الدول الغربية المنحازة للسردية الإسرائيلية وبقية العالم المناهض والاحتلال والمناصر لحل الدولتين الذي تحول إلى سراب، وسيدفع بالنقاش إلى مساءلة النظام الدولي الحالي، ومنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعجزه عن ايقاف الحروب والاحتلال ( أوكرانيا، فلسطين ) والكيل بمكيالين و ازدواجية المعايير التي عرَّت الخطاب والشعارات الغربية وجردت الخطاب الغربي الرسمي من المصداقية الأخلاقية والإنسانية والإعلامية في هذه القضية، وكذلك إعادة تحديد  المفاهيم والمفردات ك”حقوق الإنسان”، و”الإرهاب”، و”المقاومة”، و”الحق في الدفاع عن النفس”، و”الاحتلال”، و”المدنيين”، و”السلام”  إذ كشفت أحداث غزة عن اختلال في الجهاز المفاهيمي والخطاب الحقوقي والقانوني، والتوظيف الأيديولوجي والسياسي لهذه المفردات والشعارات، كما لو كانت هناك مفاهيم و”قيم غربية” من جهة ومفاهيم و”قيم إنسانية وكونية” من جهة أخرى وهو ما تجلى على أرض الواقع، فهل سيغلب منطق الحق أم منطق القوة .

*باحث في مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية بالرباط

المراجع :

1,2 – إنفوغراف.. خسائر الحرب على غزة تكشف أهداف كل طرف منها . 21/10/2023  https://rb.gy/6pazs

3- موقع بريطاني: أوكرانيا وفلسطين.. عندما يحتضن الغرب مقاومة ويشيطن أخرى 19/4/2022  https://rb.gy/fx534

4- زهير حمداني : طوفان الأقصى” ونبوءة الزوال والهروب الكبير من إسرائيل    18/10/2023

https://rb.gy/afy6f

 5- صحفيو غزة في مواجهة حصار الخوارزميات https://rb.gy/4v8s4

6- بايدن من تل أبيب: لو لم تكن هناك إسرائيل لعملنا على إقامتها 18/10/2023 https://rb.gy/csin9

A propos CERSS مركز الدراسات 324 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*