استفتاء تونس ومخاوف العودة إلى السلطوية الشعبوية

د.حميد بحكاك

مقدمة

منذ هروب الرئيس بن علي سنة 2011 بعد ثورة شعبية تونسية استغرقت شهرا أو أقل من شهر ( 17 ديسمبر 2010- 14 يناير 2011)، وتونس تعرف مخاضا ديمقراطيا يتصارع فيه بقايا النظام القديم مع النظام الجديد، صراع بين الديمقراطية والاستبداد، تشارك فيه عناصر داخلية فيما سمي بالدولة العميقة وتدخلات خارجية إقليمية لا مصلحة لها في إقامة ديمقراطية حقيقية وتريد إرجاع تونس إلى مربع الاستبداد حتى لا تنتشر “عدوى” الديمقراطية كما انتشرت عدوى ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس.

وخلال هذه الفترة تعاقب على تونس ثلاث رؤساء آخرهم قيس سعيد، وفي سنة 2014 تمَّ وضع دستور سمي بدستور الثورة وفق مقاربة تشاركية شارك فيه الجميع دون إقصاء شعبا وأحزابا ومنظمات المجتمع المدني وخبراء دوليين خلال مدة دامت سنتين.

وإذا كانت تجربة النظام الرئاسي في عهدي “بورقيبة” و”بن علي” محط انتقاد من قبل الأحزاب التونسية، كان الدفع بالعودة إلى النظام البرلماني الرئاسي يعيد التوازن إلى النظام السياسي والدستوري الرئاسي التونسي مطلبا حزبيا وهو ما ترجمه دستور 2014، إلا أن الصراع والخلاف الذي طبع المؤسسات ( مؤسسة الرئاسة ومؤسسة البرلمان ورئاسة الحكومة) على مستوى الصلاحيات وحدودها خلال العشرية الماضية، خلقت أزمة سياسية ودستورية فاقمت الأوضاع المعيشية والاجتماعية والاقتصادية للتونسيين وخلقت تذمرا شعبيا استغله أعداء الديمقراطية في الداخل والخارج في بث اليأس لدى الشارع التونسي وأن لا جدوى من الانتقال الديمقراطي .

قرارات 25 يوليوز 2021 للرئيس قيس سعيد

لتجاوز هذا الاحتقان السياسي ولتجاوز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أعلن الرئيس قيس سعيد من جانب واحد، تجميد العمل بالبرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، والعمل بمراسيم رئاسية إلى حين عرض ووضع دستور جديد، ولما كان حزب النهضة يشكل القوة الأولى في البرلمان التونسي، ظهر الصراع كما لو كان بين الرئيس سعيد وحركة النهضة، وهو ما عززته التصريحات والتلميحات للرئيس سعيد بين الفينة والأخرى، بتحميل “حزب النهضة” مسؤولية “العشرية السوداء” مع فرقاء آخرين، بالإضافة إلى الإجراءات والملاحقات التي طالت أعضاء قياديين في الحركة، و ملاحقة معارضين وهيئات حزبية ومدنية تتقاطع مواقفهم موضوعيا ضد قرارات قيس سعيد .

وبعد مرور سنة على هذه القرارات الاستثنائية والتي اعتبرت في نظر المعارضين انقلابا على دستور 2014 خصوصا المادة 80 التي تنص على إبقاء البرلمان في “حالة انعقاد دائم” عند إعلان حالة الاستثناء، وما صاحبها من نقاش دستوري وسياسي وإعلامي، كما عرفت هذه المدة مسيرات منددة بقرارات سعيد ومسيرات مؤيدة له، كما عرفت إضرابات شعبية ذات طابع اجتماعي وسياسي وإضرابات مهنية آخرها إضرابات القضاة دفاعا عن استقلال القضاء واحتجاجا على توقيف زملائهم .

دستور بنسختين

عين الرئيس قيس لجنة لوضع دستور جديد يرأسها صادوق بلعيد، وبتاريخ 25 يوليوز 2022 تم عرض الدستور على الاستفتاء، وهذا الدستور الذي عرض على الاستفتاء وحسب رئيس اللجنة التي أعدت الدستور اعتبر أن النسخة المعروضة لم تكن مطابقة للنسخة التي سلمت للرئيس قيس سعيد، كما أن ضيق المدة بين وضع الدستور وعرضه للاستفتاء كانت قصيرة بحيث لا تسمح بدراسته بشكل عميق.

المضامين الجديدة لدستور 26 يوليوز 2022

اعتبر المعارضون للاستفتاء على الدستور الجديد أن هذا الأخير يعد تراجعا عن دستور 2014 سواء من حيث طريق إعداده كتعيين لجنة لصياغة الدستور بدل انتخابها وتعيين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بدل انتخابها، أو من حيث مضامينه، وفي مقدمة المآخذات أن هذا الدستور الجديد يضرب مبدأ الفصل بين السلط ويجمعها في يد واحدة، ومن بين التراجعات المسجلة حسب كثير من المحللين والمراقبين :

إقرار نظام رئاسي وليس رئاسي برلماني كما في دستور 2014، والرئيس هو الذي يعين رئيس الحكومة والموافقة على الوزراء المقترحين من رئيس الحكومة المعين، بينما في دستور 2014 تشكل الحكومة من الكتلة ذات الأغلبية في البرلمان، كذلك منح الرئيس حق حل البرلمان والمجلس الوطني للجهات في غياب الحق في عزل رئيس الدولة كما تضمن ذلك دستور 2014، وتعيين القضاة بناء على ترشيح المجلس الأعلى للقضاء، بدل انتخابهم من زملائهم.

وهناك تغيير أثار كثيرا من الجدل يتعلق بقضية الهوية والدين التي حٌسمت في الدستور التونسي لسنة 2014،  إذ تمَّ حذف الإسلام كدين رسمي للدولة في الفصل الأول من دستور 2014 بدعوى أن الدولة “مؤسسة معنوية” لا دين لها، وتمَّ تعويضها بالفصل الخامس في الدستور الجديد المعروض على الاستفتاء الذي ينص على ” أ ن تونس جزء من الأمة الإسلامية، وعلى الدولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس والعرض والمال والدين والحرية”، و هذا التغيير فتح الباب على كثير من التأويلات منها أن من شأن هذا الفصل أن يغطي على مناقشة الطابع الاستبدادي أو الطابع الرئاسي المفرط ( hyper-présidentiel )  الذي يؤسسه هذا الدستور من خلال إثارة موضوع الهوية والدين الذي يخلق استقطابا حادا داخل المجتمع، وهناك من قرأ في هذا الفصل مقدمة لحظر حركات الإسلامي السياسي أو الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية كما تصنف نفسها أو تستخدم الدين من أجل الوصول إلى السلطة كما يصنفها خصومها، 

وفي مقدمتهم حزب النهضة، فحسب هذا الفصل أن “الدولة وحدها” تتكفل بتحقيق مقاصد الإسلام مما سيفضي إلى احتكار تمثيلية الحديث باسم الإسلام من قبل رئيس الدولة فيما يخص قضايا الدولة والمجتمع ويفتح الباب لإصدار قانون يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني كما ذهب في ذلك بعض القراءات والتحليلات.

 

مواقف الأحزاب والمنظمات

انقسمت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني حول الموقف من الاستفتاء على هذا الدستور، بين مقاطع للاستفتاء والذين انتظموا في إطارات كـ”جبهة الخلاص الوطني” المشكلة من أحزاب، و”مواطنون ضد الانقلاب”، و”الحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء”، والمشاركون الداعون للتصويت بلا كـ”حزب آفاق تونس” والمشاركون الداعون للتصويت بنعم كـ”حزب التيار الشعبي” ، وقد دعت حركة النهضة أنصارها لتنظيم مسيرة وطنية ضد الاستفتاء.   

جدل نتيجة الاستفتاء وردود فعل الداخل والخارج

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في ندوة صحفية عن نتائج الاستفتاء كما يلي:

عدد الناخبين المسجلين : 9 278 541

عدد الناخبين الذين صوتوا : 2 830 094

عدد أصوات “نعم” : 2 607 884

عدد أصوات “لا” : 148 723

وحسب هذه الأرقام فإن نسبة المشاركة وصلت 29 %

نسبة التصويت بنعم بلغت  92 %

وعرفت هذه النتائج والأرقام جدلا من حيث المصداقية، خصوصا بعد تسريب أرقام أخرى من قبل الهيئة المستقلة مما دفع هذه الأخيرة إلى إقالة رئيس ديوانها، وذهبت أحزاب أخرى إلى تسجيل طعون ضد هذه الأرقام المعلنة لدى القضاء الإداري، ولا زالت تداعيات هذا الجدل تتفاعل إلى حدود كتابة هذه السطور.

واعتبرت الهيئة المستقلة أن هذه الأخطاء لا تؤثر في الأرقام المعلنة والتي تبقى صحيحة، حسب بلاغها .

وفي قراءة لهذه النتائج على مستوى الداخل التونسي، فقد ركزت أحزاب وهيئات المعارضة على النسبة التي لم تشارك في هذا الاستفتاء والتي قاربت 75 % واعتبرت أن نسبة 27 %  المشاركة لا تمنح هذا الدستور شرعية ولا مشروعية، وأن مشروع دستور قيس سعيد سقط انتخابيا، ودعت جبهة الخلاص الوطني إلى تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية وإلى حوار وطني.

فيما اعتبر الرئيس قيس سعيد وأنصاره أن هذا الدستور حاز على الشرعية من خلال تصويت 95 % من الهيئة الناخبة عليه .

وعلى مستوى الخارج فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن “هذا الدستور الجديد، الذي حلَّ الآن محل دستور عام 2014، تمت صياغته خلف أبواب مغلقة من خلال مسار هيمن عليه الرئيس قيس سعيّد بالكامل. لم يتم إطلاع الشعب التونسي بأي درجة من الشفافية حول سبب تصميم المسار بهذه الطريقة، ولا الأسباب الموجبة لاستبدال دستور 2014”

كما عبرت بعض الجهات الخارجية كالاتحاد الأوروبي الذي سجل النسبة الضعيفة للاستفتاء ودعا إلى التوصل إلى توافق واسع مع أطياف الشعب التونسي من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني، أما الإدارة الأمريكية فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن “وجود مخاوف من تعرض حقوق الإنسان والحريات الأساسية للخطر، خصوصاً مع تضمن الدستور الجديد لضوابط وتوازنات ضعيفة لا تعطي ضمانات لحماية الحقوق والحريات” ،كما رفض الرئيس قيس سعيد هذه التصريحات التي اعتبرها تدخلا في الشأن الداخلي التونسي.  

خلاصة

يبدو أن الدستور الجديد أضفى شرعية على قرارات قيس سعيد التي أعلنها ومارسها  منذ 25 يوليوز 2021 ، “بمعنى دسترة حالة الاستثناء والاستبداد وهو ما يمثل تراجعا وعودة إلى ما قبل 2011 حيث الحكم الفردي وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة وتغييب كامل لسلطة الشعب التي يمارسها من خلال البرلمان، الذي أضعفه الدستور “الجديد” .

فهل تساعد هذه الوصفة التي طرحها الرئيس قيس سعيد، على إخراج تونس من أزمتها السياسية والدستورية والانكباب على المعضلات الاقتصادية والاجتماعية .

فيما يبدو أن هذه الاستفتاء على دستور جديد خلق انقساما حادا داخل الطبقة السياسية  والمجتمع التونسي، مما يعمق الأزمة ولا سبيل للخروج من هذا الوضع إلا من خلال الآليات الديمقراطية، فأعطاب الديمقراطية الناشئة و المتعترة لا تصححها سوى الديمقراطية من خلال التوافق والحوار والتنازلات المتبادلة والنقد الذاتي والنفس الطويل والمنطق التراكمي، كما أكدت ذلك تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم، أما السلطة المطلقة فمفسدة مطلقة وعودة إلى المربع الأول، مربع الاستبداد .

المراجع

1- تونس: ما الفرق بين دستور 2014 ودستور 2022؟     https://www.france24.com/ar

2- تونس: اعتماد دستور جديد يمثل انتكاسة لحقوق الإنسان https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2022/07/tunisia-adoption-of-new-constitution-marks-a-setback-for-human-rights/ visité le 01/08/2022

3- النتائج الأولية للاستفتاء في مشروع دستور جديد للجمهوريّة التونسيّة http://www.isie.tn/ar

4- انتقاد أوروبي أميركي لاستفتاء الدستور التونسي: مشاركة ضعيفة والحلّ في الحوارhttps://www.alaraby.co.uk/politics/

5- رئيس لجنة الدستور في تونس ينأى بنفسه عن دستور الرئيس ويقول إنه يتضمن مخاطر جسيمةhttps://almasdaronline.com/articles/254991

A propos CERSS مركز الدراسات 290 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*