إصلاح منظمة الأمم المتحدة كمدخل للسلام العالمي

في كل مرة يحدث فيها نزاع عسكري ( غزو، تدخل، اعتداء  ,,,,,,) بين بعض الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة إلا واتجهت الأنظار إلى دور هذه المنظمة في ايقاف هذا النزاع العسكري وحله سلميا، أو الحؤول دون وقوعه أصلا، والدفع بالوسائل السلمية ( حوار ، مفاوضات، اتفاقات ……) لأنهاء الخلاف والنزاع، وتكرار هذه الحروب يسائل دور المنظمة في تحقيق السلم والأمن الدوليين منذ نشأتها سنة 1945 إلى الحرب الروسية الأوكرانية الدائرة رحاها الآن، والتي تجاوزت الشهر وألقت بظلالها على العالم من خلال تداعيتها السلبية على الاقتصاد العالمي والسلم والأمن الدوليين، فما هي العوامل التي تشل عمل المنظمة وتحول دون تحقيق الأهداف التي من أجلها أسست، وتجعلها في مرمى الانتقادات .

تأسست منظمة الامم المتحدة في 24 اكتوبر1945 بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء ( أمريكا فرنسا روسيا الصين بريطانيا ) وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن على دول المحور( ألمانيا، اليابان، ايطاليا )، وجاء تأسيس المنظمة في إطار السعي إلى إقامة نظام دولي يسود فيه السلام والأمن الدوليين وتحل فيه الخلافات عن طريق القنوات الديبلوماسية وفي إطار مياثقها ومبادئها، وتجنب الحروب وويلاتها التي كلفت البشرية عشرات الملايين من القتلى والجرحى والمعطوبين بالإضافة إلى الدمار والخراب، وهو ما خلَفته الحربين العالميتين من خسائر في الأرواح (أكثر من 13 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى واكثر من 58 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية ).

كما جاء تأسيس المنظمة لتصحيح تجربة “عصبة الأمم” التي فشلت والتي تأسست سنة 1919 على أنقاض الحرب العالمية الأولى، إلا أنها لم تمنع من نشوب الحرب العالمية الثانية، وكانت من بين  أسباب الفشل أن عصبة الأمم كانت مكونة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى التي دبَت الخلافات فيما بينها إذ رفضت الولايات المتحدة الانضمام لها ورفضت التوقيع على ميثاقها كما عجزت العصبة عن تحقيق السلم ومنع الحروب ( غزو اليابان لمنشوريا سنة 1931، غزو ايطاليا لأثيوبيا سنة 1935، غزو ألمانيا النازية لبولونيا سنة 1939 وبداية الحرب العالمية الثانية )، فهل استطاعت منظمة الأمم المتحدة تصحيح تجربة عصبة الأمم وتحقيق الأهداف التي من أجلها أسست سنة 1945.

من خلال أكثر من سبعين سنة على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، لم تنقطع الحروب والنزاعات واستعمال القوة العسكرية في حل الخلافات بين الدول، وانتقلت الحروب من الطابع العالمي إلى الطابع الإقليمي وتسمى الحروب بالوكالة، يخطط لها الكبار وينفذها الصغار، وأصبحت إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ساحات لتصفية حسابات سياسية وأيديولوجية واقتصادية وعسكرية حسب سياق كل مرحلة، باعتبارها مناطق نفوذ للدول والقوى العظمى، كما كان لانقسام العالم إلى عالم رأسمالي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وعالم اشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي دور في تأجيج الخلافات الأيديولوجية والسياسية والتي تترجم إلى حروب عسكرية خلال فترة الحرب الباردة 1947-1991(الحرب بين الكوريتين 1953-1950، الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين 1948 واعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل، الأزمة الكوبية 1961، الاجتياح الروسي لأفغانستان 1979، مذابح البوسنة والهرسك 1993 ، الإبادة الجماعية في رواندا 1994، الغزو الأمريكي للعراق 2003……. ) وصولا إلى الغزو الروسي لأوكرانيا سنة 2022، ولم تعد مبادئ الحق والمساواة المنصوص عليها في ميثاق المنظمة هي الموجهة لسياسة الدول العظمى والمؤثرة على المشهد العالمي، بل أصبحت سياسة المصالح ومنطق القوة والكيل بمكيالين وسياسة المحاور في بعض القضايا هي الموجه، خصوصا إذا تعلق الأمر بمصالح إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أو بأحد حلفاء هذه الدول أو أن النزاع يحدث في منطقة نفوذ لها، مما دفع بعض الدول إلى بلورة فكرة عدم الانحياز لأي من المعسكرين التي طرحت في مؤتمر باندونج باندونيسيا سنة 1955 وتأسيس حركة عدم الانحياز سنة  1961 ببلغراد عاصمة يوغوسلافيا ، هذه الحركة المكونة من 29 دولة إفريقية وآسيوية، تجسد طريقا ثالثا يتمثل في نهج  سياسة “مستقلة” عن المعسكرين  خلال فترة الحرب الباردة  ( الآن تتكون هذه الحركة من 120 دولة ) .

أمام كثرة النزاعات في العالم والتي حولت العالم إلى بؤرة للتوتر وأمام تطور حجم الدول وعددها ( انتقلت من 51 دولة عضو وقت تأسيس المنظمة إلى 193 دولة عضو سنة 2022 )  ودورها وإشعاعها على المستوى الدولي وتغير موازين القوى وتعدد الأقطاب، لم تعد هيكلة المنظمة تناسب هذا التطور الكمي والكيفي للدول، وظروف نشأة المنظمة ليست هي نفس الظروف اليوم، إذ تمَ تأسيس منظمة الامم المتحدة في فترة كانت أغلب الدول النامية تحت نير الاستعمار، والدول المنهزمة في الحرب العالمية الثانية استعادت قوتها وحضورها على المسرح الدولي بشكل مؤثر، كما مرَ النظام الدولي من الثنائية القطبية ( 1947- 1991 ) إلى الأحادية القطبية بقيادة أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 ثم إلى التعددية القطبية اليوم بعد عودة الصين وروسيا بقوة إلى المسرح الدولي بالإضافة إلى الدول الصاعدة كالهند والبرازيل والمانيا وغيرها، مما دعا الكثير من الدول إلى المطالبة بإعادة هيكلة المنظمة على أسس جديدة تناسب التطور والتحديات المعاصرة والمستقبلية وتقطع مع الأسباب والعوامل التي تعيق عمل المنظمة ونجاعتها في تحقيق السلم والأمن الدوليين ومنع الحروب وتحقيق العدل والمساواة بين الدول الأعضاء، لهذا تعالت الأصوات بإصلاح المنظمة، من طرف دول وهيئات وشخصيات دولية من رجال الفكر والسياسة والاقتصاد والقانون والمهتمين بحقوق الإنسان وقضايا الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما اقترح عديد من الأمناء العامون للمنظمة برامج لإصلاحها من بينهم : بطرس غالي ، كوفي عنان، والأمين العام الحالي انطونيو غوتيريس، وتزداد هذه المطالب في كل محطة تهدد السلم العالمي والإقليمي كما يحدث اليوم مع الحرب الأوكرانيا الروسية.

وقد انصبت مطالب إصلاح المنظمة على الجوانب المتعلقة بتمثيلية الدول والقارات خصوصا داخل مجلس الأمن، ونظام التصويت داخل المجلس و الحق في استعمال الفيتو ونطاق استعماله وآثاره على السلم والأمن الدوليين، وازدواجية القرارات و ومدى إلزاميتها بين تلك القرارات والتوصيات الصادرة عن الجمعية العامة وتلك الصادرة عن مجلس الأمن، كذلك ازدواجية التمثيلية داخل الجمعية العامة ( 193 دولة ) والتمثيلية داخل مجلس الأمن ( 15 عشرة دولة، خمس منها أعضاء دائمون ينفردون بحق الفيتو مما يتناقض مع مبدأ المساواة التي تنص عليه المادة الثانية من ميثاق المنظمة ). 

فبالنسبة لمطلب توسيع التمثيلية داخل مجلس الأمن على مستوى الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، فلم يعد من المقبول أن تقتصر التمثيلية على خمس دول تتحكم في مصير العالم من خلال القرارات التي يصدرها مجلس الأمن واستعمال حق الفيتو الذي يخضع لحسابات المصالح والولاءات وسياسة المحاور، فألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الثانية تطالب اليوم بمقعد دائم في مجلس الأمن وكذلك اليابان والبرازيل والهند وكندا وتركيا، كما تطالب القارة الإفريقية من خلال منظمة الاتحاد الإفريقي بمقعدين دائمين في مجلس الأمن، إذ لا يعقل أن لا تمثل قارة بحجم إفريقيا ( 55 دولة ) داخل مجلس الأمن ، كذلك تطالب أمريكا اللاتينية بتمثيلة لها داخل مجلس الأمن .إلا أن هذه المطالب الجوهرية خصوصا تلك التي تنصب على إصلاح مجلس الأمن، تصطدم بمعارضة الدول الدائمة العضوية.

فالعضوية الدائمة في مجلس الأمن لخمس دول هي إفراز لموازين قوى عسكرية انتصرت في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي أصبح النظام الدولي يخضع لمنطق القوة وليس لمنطق العدل والقانون والمساواة والتوازن حسب كثير من المراقبين، مما دفع كثير من الدول إلى التسابق نحو التسلح وارتفعت ميزانيات الدفاع العسكرية لدى الدول  وعسكرة الكوكب الأرضي على حساب قضايا التنمية ومحاربة الفقر وحماية البيئة و مواجهة الأوبئة.

لقد حظي استعمال حق الفيتو في مجلس الأمن باهتمام كبير لما يحمله من آثار على السلم والأمن الدوليين، مما دعا بعض الدول كفرنسا إلى المطالبة بعقلنة استعمال حق الفيتو وتقنينه في اتجاه يخدم مبادئ المنظمة وليس مصالح الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من خلال التصويت والتصويت المضاد فيما بينها. 

 ومنذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 تم استعمال حق الفيتو293 مرة موزعة كالتالي :

الاتحاد السوفياتي ومن بعده روسيا 144 مرة

الولايات المتحدة الأمريكية 83 مرة

بريطانيا 32مرة

فرنسا 18 مرة

الصين 16 مرة

وقد استأثر الملف السوري منذ سنة 2011 باستعمال حق الفيتو 15 مرة بين الولايات المتحدة وروسيا، كما أن من ضمن 83 مرة استعملته أمريكا، 37 منها ضد قرارات تدين اسرائيل، وأثناء الحرب الأوكرانية الروسية الدائرة الآن استعملت روسيا حق النقض ( الفيتو)  لإبطال قرار يدين هجومها على أوكرانيا .

لقد وصل عجز المنظمة وأضرَ بمصداقيتها إلى درجة أن دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية احتلت بلدا هو العراق سنة 2003 ضدا على اختصاصات المنظمة وميثاقها وتجاوزا لصلاحياتها، وهذا السلوك يفتح المجال لتجاوز قرارات الأمم المتحدة وميثاقها كما يفعل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، كما أن مندوب روسيا في مجلس الأمن أثار احتلال أمريكا للعراق كسابقة  واستعملها لتبرير أو تفسير الغزو الروسي لأكرانيا كوسيلة لحماية الأمن القومي للدول .  

إن المطالب بإصلاح منظمة الأمم المتحدة تهدف إلى إضفاء طابع ديمقراطي على المنظمة من حيث التمثيلية الدولية ومن حيت آليات اتخاذ القرارات الدولية، وتقييد وتقنين استعمال حق الفيتو وعقلنته ودمقرطته ليسود في العالم منطق الحق والقانون لا منطق القوة والمصالح الضيقة لبعض الدول .

د.حميد بحكاك

باحث في علم السياسة والقانون الدستوري  

المراجع

 1 تعرف على حركة عدم الانحياز

 https://www.aljazeera.net/encyclopedia/organizationsandstructures/2016

 2روسيا تستخدم “الفيتو” ضد قرار يدين هجومها على أوكرانيا https://www.aa.com.tr     

3 Pourquoi la France veut encadrer le recours au veto au Conseil de sécurité des Nations unies

https://www.diplomatie.gouv.fr/fr/politique-etrangere-de-la-france/la-france-et-les-nations-unies/

A propos CERSS مركز الدراسات 277 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*