الندوة الدولية الخامسة حول دراسات شمال إفريقيا 2020

تمفصلات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية في سياق الأزمات

حالة شمال إفريقيا

الرباط6-5  دجنبر 2020

بالرغم من التطور الكبير الذي عرفه علم السياسة كحقل معرفي ناشئ ضمن العلوم الاجتماعية، فمن الواضح أن قدرته على بناء معرفة علمية بالظاهرة/الظواهر السياسية لم تتجاوز بعد مرحلة ما قبل صياغة نموذج نظري كامل ومستقل[1]. لاشك أن التراكم الحاصل في الدراسات والأبحاث التي تصنف نفسها ضمن حقل علم السياسة قد ساهم في تطوير هذا الأخير، سواء من حيث القدرة على تحديد الظاهرة السياسية وتوسيع دائرة ” الممكن إدراكه” فيها (الانتقال من الدولة إلى السلطة كمناط الظاهرة السياسية ) أو من حيث القدرة على تطوير شروط إمكان المعرفة العلمية بالسياسة/السياسي (تطوير مناهج العلوم الاجتماعية وملاءمتها، محاولة الانفتاح على مناهج العلوم الطبيعية والرياضيات وتكييفها مع متطلبات الدراسات السياسية … إلخ)، فإن هذا التراكم، لا يزال بعيدا عن بناء نظرية سياسية يمكن أن تشكل إطارا عاما لمقاربة الأسئلة التي يطرحها علم السياسة.

ويمكن اعتبار إشكالية العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية أحد أهم الأسئلة التي هيمنت على علم السياسة في إطار الدراسات السياسية المقارنة منذ ثمانينات القرن الماضي، والتي بدأ النقاش حولها يكتسب زخما كبيرا ومتجددا مع بداية انتشار جائحة كورونا في مطلع سنة 2020.

إن عودة النقاش حول هذه الإشكالية في الأوساط الأكاديمية وفي دوائر صنع القرار يعود بالأساس إلى أن طريقة تعامل الحكومات والدول مع الجائحة كتهديد وجودي غير مسبوق (إعلان حالة الطوارئ وما واكبها من إجراءات في أغلب دول العالم …) يبين محدودية قدرة استراتيجيات التنمية ومؤسسات تدبير الشأن العام في مواجهة الأزمة في احترام لحقوق الإنسان وضمن نطاق الترتيبات المؤسساتية والأسس القيمية للنظام الديمقراطي. ومن ضمن الأسئلة المتعددة التي أصبحت تفرضها الأزمة الصحية العالمية الحالية، يمكن القول أن هناك ثلاثة أسئلة متداخلة تفرض نفسها بشكل ملح على أجندة الباحثين والفاعلين على حد سواء في المرحلة القادمة يمكن تناولها بالشكل التالي:

 الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية في سياق الأزمات؛

يمكن اعتبار مسألة تأثير طبيعة النظام السياسي في تحقيق التنمية إحدى الإشكاليات الأساسية في علم السياسة المعاصر،  وبشكل خاص في دراسات الانتقال الديمقراطي والأنظمة المقارنة. وسواء تعلق الأمر بعلاقة مختلف أشكال الأنظمة بالتنمية في بعدها الاقتصادي الضيق أو بالتنمية الإنسانية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، فإن الجواب الذي تقدمه العلوم الاجتماعية يتسم بالكثير من النسبية ويظل مشروطا بمحددات وعوامل متباينة تتعلق بالسياق العام والتجربة التاريخية لكل مجتمع. فمنذ المقال المؤسس لمارتن ليبست[2] إلى الأبحاث والدراسات التي نشرت حديثا حول العوامل المؤثرة في تدبير الجائحة، مرورا بكل ما أنتجته الدراسات التي يؤطرها براديغم الانتقال، لايزال من المتعذر بناء نموذج تحليلي متكامل يسمح بتحديد نقاط تمفصل السياسة (باعتبارها مجموعة من الترتيبات المؤسساتية، المؤسسة على قيم معينة، والهادفة إلى تدبير الشأن العام داخل جماعة معينة) والتنمية (باعتبارها سيرورة من العمليات المتزامنة والمتجانسة التي تمكن من توظيف النمو الاقتصادي كأداة للتغيير الايجابي لحياة الناس ورفع مستوى العيش وجودة الحياة بِمَا يسمح بإعادة إنتاج هذه السيرورة). وتبين الدراسات الامبريقية عموما أن التنمية الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى ظهور الديمقراطية، رغم أن هذه الأخيرة قابلة للاستمرار أكثر في الدول الغنية بشكل عام [3].فإذا كانت العديد من الدول الديمقراطية هي في نفس الوقت رائدة في التنمية البشرية، فإن هذا المعطى يبقى غير كاف لاعتبار الديمقراطية شرطا للتنمية، وإلا فكيف يمكن تفسير قدرة بعض الأنظمة السلطوية أو الشبه سلطوية على تحقيق مستويات نمو اقتصادي ورفاه اجتماعي قريبة من نظيرتها المسجلة في الأنظمة الديمقراطية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار مثل هذه التجارب نماذج قابلة للتصدير خارج سياق تبلورها كتجربة تاريخية لمجتمع معين ؟

          يقترح هذا المحور توظيف مختلف أدوات التحليل والعُدَّة النظرية التي طورها الباحثون في علم السياسة منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي من أجل تفكيك العلاقة بين الفكرتين الديمقراطية والحقوقية من جهة وبين مسألة التنمية من جهة أخرى. إلى أي حد يمكن التفكير في هذه العلاقة المركبة والمعقدة انطلاقا من مفهوم النموذج le modèle ؟ وإذا جاز الحديث عن نموذج للنظام الديمقراطي فهل توجد اختيارات تنموية تنسجم مع هذا النموذج أكثر من غيرها ؟ وبعبارة أخرى، وأمام تصاعد المخاطر التي تهدد الديموقراطية، إلى أي حد يمكن الحديث عن نموذج للتنمية يجعل النظام الدمقراطي أكثر ديمقراطية؟ إلى أي حد يمكن لاسترتيجيات التنمية أن تنجح خارج سياق الديموقرطية ؟وهل يمكن أن تتحول التنمية إلى إيديولوجيا بديلة[4] تهدد الديموقراطية اذا نجحت بعض النماذج التنموية (تركيا، روسيا على سبيل المثال) في تحقيق أهداف التنمية خارج/عبر تحوير الشرعية الديمقراطية والفهم اللبرالي لحقوق الإنسان؟

 

 

هل تعيد أزمة كورونا صياغة مفهوم حقوق الإنسان؟

           يمكن القول أن الاستراتيجيات والسياسات العمومية والخطابات التي أنتجها الفاعلون في سياق التعاطي مع التهديدات التي طرحتها جائحة كورونا على امتداد سنة 2020، تشكل مختبرا حقيقيا للملاحظة وطرح بعض الفرضيات حول التأثيرات المُحتملة، على المديين القصير والمتوسط، للأزمة الحالية وطريقة مواجهتها، ليس فقط على مستوى قدرة القوانين والآليات الوطنية والدولية لحماية حقوق الإنسان على توفير حماية فعلية للحقوق والحريات إبان الأزمة، بل إن التأثير قد يمتد إلى إعادة صياغة طريقة فهم حقوق الإنسان. إن قوانين الطوارئ والإجراءات المواكبة لها فرضت ولا تزال تحديات غير مسبوقة سواء على الفاعلين وصناع القرار أو لدى الباحثين. ويتجلى أحد أبرز هذه التحديات في الإجراءات التي تعمل على/والدعوات التي تدعو إلى اعتماد فكرة التراتبية في حماية الحقوق والحريات، وهو ما يعني إعادة النظر في مبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزيئ كأحد أهم مرتكزات الفكر الحقوقي المعاصر. وكمثال على ذلك اعتماد سياسات تقوم على تعليق/تجميد بعض الحقوق المدنية والسياسية  (خارج ما يقتضيه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) كشرط للتعبئة من أجل حماية الحقوق الأساسية وعلى رأسها الحق في الحياة. والملاحظ أن هذه الإجراءات لم نقتصر على الدول النامية، وضمنها دول شمال إفريقيا (الإكراهات والقيود الناجمة عن إغلاق الفضاء العمومي في المغرب وتونس والجزائر)، بل شملت كذلك الديمقراطيات الغربية ( حظر مظاهرات حركة السترات الصفراء في فرنسا، تراجع قدرة المواطنين على ممارسة حرياتهم العامة في الولايات المتحدة والعديد من دول أوربا الغربية).

          يسعى هذا المحور إلى تقييم الاستراتيجيات المعتمدة لمواجهة جائحة كورونا من زاوية انسجامها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان من جهة، ومحاولة البحث في احتمالات تأثير الأزمة الحالية في التصور اللبرالي لحقوق الإنسان.

الأداء السياسي لأنظمة الحكم في مواجهة الجائحة: محاولة في المقارنة والتقييم

           رغم الاختلاف الواضح بين النظام الديمقراطي والأنظمة السلطوية فإن التهديدات التي فرضتها جائحة كورونا شكلت فرصة نادرة لملاحظة كيف يمكن أن تتوحد استجابات أنظمة الحكم في مواجهتها بصرف النظر عن طبيعة هذه الأنظمة. ومع ذلك فإن الفرق يبدو واضحا فيما يتعلق بردود الفعل النابعة من المجتمع إزاء تمدد سلطة الدولة واكتساحها الفضاء العمومي في سياق التصدي للجائحة. فبينما ظهرت موجات احتجاج وتمرد على توسع سلطة الدولة خارج الحدود التي يرسمها منطق اشتغال المؤسسات ودولة القانون واحترام الحقوق والحريات العامة والفردية، فإن إجراءات الإغلاق العام والطوارئ لم تواجه أي معارضة أو احتجاج في السياقات السلطوية. ولعل هذا ما يولد الاعتقاد أن الديمقراطية، على الأقل في بعدها المؤسساتي المسطري، لا توفر إطارا فعالا لمواجهة الأزمات، مقارنة مع ما تتيحه آليات اشتغال السلطوية. ويتأسس هذا الاعتقاد على فكرة مفادها أن مركزية قيمة الحرية في تأطير العلاقة بين الدولة والمجتمع في النموذج الديمقراطي اللبرالي، ومحورية إرادة الفرد واستقلاليته يمكن أن تشكل عائقا لجهود الدولة في حماية الصالح العام في سياقات الأزمة ( مقاومة الإجراءات الحمائية ضد كوفيد ، في حين أن إجراءات الإغلاق العام لم تواجه معارضة أو احتجاج حقيقي في السياقات  السلطوية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن هيمنة القيم الجماعاتية في السياقات السلطوية تشكل عاملا حاسما في تعزيز قدرة الانطمة السلطوية في التعاطي مع الأزمات، كما هو الحال بالنسبة للنموذج الصيني الذي يقدم كمثال لقدرة السلطوية على توظيف القيم الكونفوشيوسية، كقيم جماعية قائمة على الامتثال وطاعة السلطة، من أجل بناء استراتيجية فعالة لمواجهة الأزمة الحالية. لكن لا يبدو أن متغير القيم الكونفوشيوسية كاف لفهم ديناميات اشتغال السلطوية الصينية، ذلك أن العديد من الدول الآسيوية ذات النظام الديمقراطي (كوريا الجنوبية واليابان، هونغ كونغ…إلخ) تقدم أداء لا يقل فعالية عن الصين في مواجهة أزمة كوفيد في سياقات مجتمعية يحكمها نفس نظام القيم الجماعتية الكونفوشيوسية. ومن جهة أخرى فإذا كانت الأنظمة الديمقراطية تتسم بنوع من البطئ في الاستجابة، بفعل العوامل السالفة الذكر، مقابل سرعة التحرك لدى السلطويات، فإنها بالمقابل تتميز عموما بمستويات عالية من الثقة في المؤسسات الديمقراطية مقارنة مع انخفاض منسوب الثقة كمعطى شبه بنيوي محايث للأنظمة السلطوية.

            ويبدو أن هذه المعطيات الواقعية بدأت تمهد لإعادة النقاش القديم/الجديد حول فضائل السلطوية مقابل هشاشة توازنات الديمقراطية إلى أجندة البحث في علم السياسة. ويمكن القول أن ظواهر من قبيل تصاعد مركزة القرار، تحولات أدوار الفاعلين غير الدولتيين وتراجع قدرتهم على مراقبة سلطة الدولة، والانكماش الملحوظ للفضاء العمومي الديمقراطي بمثابة إرهاصات أولية يمكن أن تضفي نوعا من الشرعية على مثل هذا النقاش. إلى أي حد يمكن القول أن الظروف الاستثنائية التي خلقتها الجائحة قادرة على تغيير التوازنات المؤسساتية وخلخلة الأسس الثقافية لفكرة المشروعية الديمقراطية؟ هل يمكن أن الخوف المعولم المرتبط بهذه الظروف الاستثنائية أن يعيد صياغة موازين القوة بين الدولة والمجتمع في البلدان التي كانت تعيش مخاضات التحول نحو الديمقراطي في مرحلة ما قبل الجائحة، كما هو الشأن بالنسبة لدول شمال إفريقيا؟

              يستهدف هذا المحور تحليل مختلف الإجراءات التي اعتمدتها دول شمال إفريقيا لمواجهة أزمة ، من منظور مقارن، وتقييمها على ضوء عنصرين متداخلين ومتكاملين: فعالية الاستراتيجية المعتمدة من جهة ومدى مطابقتها للمعايير الدمقراطية من جهة أخرى.

 تنسيق:

محمد الهاشمي: أستاذ التعليم العالي .منسق مجموعة البحث الدولية في الدولة والمجتمع في شمال إفريقيا.

سعيد الصديقي:أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله.

اسماعيل حمودي:أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله.

           يرجى من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية الراغبين في المشاركة في الندوة الالتزام بالجدول الزمني التالي:

  • إرسال ملخصات الأوراق المقترحة في أجل أقصاه 5 أكتوبر 2020 على أن يعلن عن المقترحات المقبولة من طرف اللجنة العلمية بتاريخ 10 أكتوبر2020 على البريد الإلكتروني للندوة:northafricaconference@gmail.com.
  • تقديم الصيغة الأولية للأوراق بالنسبة للمقترحات المقبولة (10 صفحات على الأقل) في أجل أقصاه 30 نونبر
  • انعقاد الندوة يومي 5 6 دجنبر 2020 بالرباط.
  • ستنظم الندوة حضوريا في أحد فنادق مدينة الرباط في حدود العدد المسموح به من طرف السلطات العمومية. المشاركون المغاربة والأجانب  الذين سيتعذر عليهم الحضور، سيقدمون مداخلاتهم عبر تقنية سكايب.
  • ستنشر أعمال الندوة في مجلة دولية محكمة باللغة الإنجليزية وفي كتاب جماعي باللغة العربية.

 

[1] Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago Press, 1962.

[2] يتعق الأمر بمقال : “بعض المتطلبات الإجتماعية للديمقراطية: التنمية الإقتصادية والشرعية” Some Social Requisites of Democracy : Economic Development and Political Legitimacy » The American Political Science Review , Vol.53, No.1 (Marc, 1959), pp.69-105

[3] يتعلق الأمر هنا بأحد الخلاصات الأساسية للبحث الذي أجراه آدم برزيورسكي وآخرون حول عينة كبيرة تتكون من 135 دولة خلال الفترة بين 1950 و1990. لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى كتاب: Adam Przeworski, Michael E. Alvarez, Jose Antonio Cheibub and Fernando Limongi, Democracy and Development: Political Institutions and Well-Being in the Word, 1950-1990.

[4] Francis X. Sutton, Development Ideology: Its Emergence and Decline, Daedalus Vol. 118, No. 1, A World to Make: Development in Perspective (Winter, 1989), pp. 35-60 (26 pages)

A propos CERSS مركز الدراسات 164 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*