عبد العلي حامي الدين: الجهوية المتقدمة في سياق تطور اللامركزية في المغرب

يؤطر الفصل الأول من دستور 2011 مسألة اللامركزية الترابية ويربطها بالجهوية المتقدمة بشكل واضح، وهكذا نصت الفقرة الرابعة من هذا الفصل على أن ” التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”.

كما جرى تخصيص الباب التاسع من الدستور كاملا للحديث عن الجهات والجماعات الترابية الأخرى، مؤكدا على “أن الجهة تتبوأ، تحت إشراف مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الأخرى، وذلك في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، وفي نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات. وكلما تعلق الأمر بإنجاز مشروع يتطلب تعاون عدة جماعات ترابية، فإن هذه الأخيرة تتفق على كيفيات تعاونها”[1]، كما صدرت القوانين التنظيمية للجماعات الترابية للتفصيل في التنظيم الترابي للمملكة التي جاء بها دستور 2011، وعلى رأسها القانون التنظيمي للجهات[2]، بالإضافة إلى العديد من المراسيم التنظيمية ذات الصلة بتفعيل المقتضيات الواردة في القانون التنظيمي للجهات.

هذا التأطير القانوني المكثف تقف وراءه إرادة سياسية معبر عنها بشكل صريح من أعلى قمة هرم الدولة، وجرى الالتزام بها في التصريحين الحكوميين للحكومتين اللتين تحملتا المسؤولية بعد دستور 2011، وتفاعل البرلمان المغربي من خلال مجلس المستشارين مع قضية اللامركزية والجهوية، بتنظيم الملتقى البرلماني للجهات بشكل سنوي، بالإضافة إلى الاهتمام الذي أبداه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بسبل تطوير الجهوية في المغرب.

تعالج هذه الورقة التأطير السياسي والدستوري للمسألة الجهوية في المغرب (أولا)، وتقف عند أهم التحديات التي ينبغي التغلب عليها لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة في المغرب (ثانيا)،

أولا: التأطير السياسي والدستوري للمسألة الجهوية في المغرب

  • الرؤية الملكية

من المفيد الإشارة إلى أن الاهتمام الملكي بتطوير النظام الجهوي بالمغرب كان سابقا على لحظة صياغة دستور 2011، وكان موضوعا للعديد من الخطب الملكية يمكن التأريخ لها منذ خطاب العرش لسنة 2001 [3]وخطاب الذكرى 26 لانطلاق المسيرة الخضراء[4].

ويمثل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2006 وخطاب تنصيب اللجنة الاستشارية الجهوية بتاريخ 3 يناير 2010 وخطاب 9 مارس 2011 للإعلان عن التعديلات الدستورية، أهم الخطب الملكية التي تبرز رؤية الدولة لتطوير النظام الجهوي بالمغرب واعتباره ورشا هيكليا لتحديث مؤسسات الدولة، مع تحديد ملامح هذه الجهوية المتلائمة مع الخصوصية المغربية، وذلك من خلال تحديد أربع مرتكزات كفيلة بتطوير التنظيم اللامركزي المحكوم بقواعد: الوحدة والتضامن والتوازن واللاتمركز الواسع، مع التشديد على ضرورة البناء التراكمي على الرصيد التاريخي للتجربة المغربية في مجال الجهوية وتجنب استنساخ التجارب المقارنة[5].

كما حدد الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية التصور النظري التي تندرج في إطاره المسألة الجهوية[6].

وقد رسم هذا الخطاب مجموعة من الأهداف، في مقدمتها “إيجاد جهات قائمة الذات، وقابلة للاستمرار، من خلال بلورة معايير عقلانية وواقعية، لمنظومة جهوية جديدة” وأيضا “انبثاق مجالس ديمقراطية، لها من الصلاحيات والموارد، ما يمكنها من النهوض بالتنمية الجهوية المندمجة”، “فجهات مغرب الحكامة الترابية الجيدة، لا نريدها جهازا صوريا أو بيروقراطيا; وإنما مجالس تمثيلية للنخب المؤهلة، لحسن تدبير شؤون مناطقها”، كما ربط هذا الخطاب بشكل واضح بين المسألة الجهوية وقضية الصحراء المغربية، ورسم كهدف أساسي لورش الجهوية المتقدمة “جعل أقاليمنا الجنوبية المسترجعة في صدارة الجهوية المتقدمة. فالمغرب لا يمكن أن يبقى مكتوف اليدين، أمام عرقلة خصوم وحدتنا الترابية، للمسار الأممي لإيجاد حل سياسي وتوافقي، للنزاع المفتعل حولها، على أساس مبادرتنا للحكم الذاتي، الخاصة بالصحراء المغربية.”
وهكذا يتضح بأن التصور الملكي للمسألة الجهوية يطمح إلى الارتقاء بالنظام الجهوي من جهوية ناشئة، إلى جهوية متقدمة، بمضمون ديمقراطي وتنموي وأيضا بمضمون سياسي يقدم حلا عمليا وواقعيا للنزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية.

غير أن خطاب 9 مارس سيضع مسار تطوير الجهوية في سياق جديد وشامل، ألا وهو الانتقال من التأطير القانوني للجهوية إلى التأطير الدستوري وانبثاق الجهوية من الإرادة الشعبية[7]، وحرصا منالملك على إعطاء الجهوية كل مقومات النجاعة ; فقد ارتأى ” إدراجها في إطار إصلاح دستوري شامل، يهدف إلى تحديث وتأهيل هياكل الدولة.”

وقد جاء دستور فاتح يوليوز 2011 ليكرس هذا التصور، وليضع القواعد الدستورية العامة المؤطرة للجهوية المتقدمة، فبالإضافة إلى ما نص عليه الفصل الأول من اعتبار التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، نص الفصل 136 على أن ” التنظيم الجهوي والترابي للمملكة يرتكز على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”.

  • الالتزام الحكومي

كما تجلى هذا الاهتمام في البرنامج الحكومي لأول حكومة بعد الدستور الجديد، والذي أكد على أن “إرساء الجهوية المتقدمة وتعزيز اللامركزية واللاتمركز يمثلان ورشا حيويا لتعزيز الديموقراطية، وتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، وتعزيز سياسة القرب. وهو ما يعكس الوعي التام بالرهان الذي يشكله هذان الورشان مع ما يتطلبه ذلك من عمل من أجل تفعيلهما”، واعتبر التصريح الحكومي بأن ” إرساء الجهوية المتقدمة وتعزيز اللامركزية واللاتمركز” محورا أساسيا يتطلب تنزيله إرساء الجهوية المتقدمة وتعميق مسلسل اللامركزية، واعتماد مشروع طموح للاتمركز الإداري يواكب الجهوية المتقدمة واللامركزية، واعتماد المقاربة المجالية في وضع وتنزيل المشاريع في إطار سياسة شمولية لتأهيل المجال، وذلك من خلال القيام بعدد من الإجراءات حددت في 28 اختيار وإجراء”

كما أن البرنامج الحكومي الذي قدم خطوطه الرئيسية رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان والتي عقدت يوم الأربعاء 19 أبريل 2017، أشار بشكل واضح على أن الحكومة ستولي أهمية استراتيجية لهذا الإصلاح النوعي والمهيكل من خلال ما يلي:

  • اعتماد ميثاق اللاتمركز، وتفعيل اللاتمركز الإداري.
  • استكمال الترسانة القانونية والتنظيمية اللازمة لتفعيل مضامين القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية.
  • وضع آلية للتشاور والتتبع والتنسيق وضمان التنزيل الأمثل للجهوية المتقدمة عبر لجنة وطنية، لتتبع البرامج الحكومية والجهوية والتقييم الدوري للسياسات الترابية.
  • مواكبة الجماعات الترابية لبلوغ حكامة جيدة في تدبير شؤونها وممارسة اختصاصاتها، والإسراع في تحويل هذه الاختصاصات والموارد البشرية والمالية المرتبطة بها.
  • تفعيل صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات.
  • التسريع بإنجاز المخططات التنموية الجهوية والإقليمية والجماعية للتنمية ودعم تنفيذها في إطار تعاقدي مع الدولة.
  • مواصلة التنفيذ الأمثل لعقود البرامج الخاصة بالتنمية المندمجة للأقاليم الجنوبية.
  • البرلمان المغربي (مجلس المستشارين)

بالإضافة إلى الدور التشريعي الذي لعبه البرلمان بغرفتيه في إخراج القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، تميز مجلس المستشارين بمواكبته للتنزيل العملي لورش الجهوية المتقدمة بنقاش مؤسساتي هام تجلى في تنظيم “المنتدى البرلماني للجهات” بشكل سنوي، الذي عادة ما تؤطره الرسالة الملكية للمشاركين والمشاركات تتضمن أفكارا توجيهية تهدف إلى تطوير ودعم البناء المؤسساتي الجهوي بالمملكة، كما يتميز هذا المنتدى بمشاركة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الانسان وجمعية رؤساء الجهات وجمعية رؤساء مجالس الجماعات، بالإضافة إلى البرلمانيين منتخبي مجالس الجهات، وهو ما جعل مجلس المستشارين يمثل فضاء مؤسساتيا للحوار والنقاش بين مختلف الفاعلين في المسألة الجهوية.

ويتم تجميع خلاصات الحوار الذي يجري داخل ورشات متخصصة في تقرير تركيبي يتم نشره بالموقع الإلكتروني للمجلس.

ومن أهم التوصيات الصادرة عن المنتدى، تلك المتعلقة بتدقيق الاختصاصات وعقلنة التعاقد، وفي هذا الإطار أوصى المشاركون بمواصلة المشاورات التي تم إطلاقها حول ميثاق الاختصاصات مع الحرص المسبق على أن تكون المصالح القطاعية المعنية قادرة، على تشخيص وإحصاء – بالنسبة لكل اختصاص ذاتي ومشترك – تعهداتها في أفق متعدد السنوات، وذلك من أجل تحديد مسؤوليات كل من الدولة والجهات، ووضع إطار تنظيمي يحدد كيفيات ممارسة الاختصاصات المشتركة بين الجهات والقطاعات الحكومية أو المؤسسات العمومية ويبين بوضوح، على الخصوص، آليات تفعيل  مقتضيات المادة 141من الدستور التي تشدد على وجوب تحويل الدولة للموارد المطابقة للاختصاصات التي تشرك الجهات في مزاولتها، والعمل على عقلنة مسلسل التعاقد، وذلك بفتح نقاش حقيقي حول أسس التعاقد بين الدولة والجهات من أجل ضبط التضخم الحاصل في المجال الاتفاقي والوصول إلى وضع إطار مرجعي مشترك كفيل بإعطاء مضمون حقيقي لمفهوم الشراكة بين الجهات والدولة وبينها وبين باقي الشركاء، وبتحديد مجال التعاقد ونطاقه بوضوح وإبراز كيفيات وشروط إعداد اتفاقيات الشراكة والتشاور حول طرق تفعيلها وتتبع تنفيذها وتقييمها.

الحرص على إعداد الإطار المرجعي في ميدان التعاقد بين الجهات والدولة بصفة خاصة، بناء   على المقتضيات المنتظرة في مجال اللاتمركز الإداري، وذلك وصولا إلى تأمين مكانة الصدارة التي تتبؤها الجهات كمستوى للملاءمة في إطار برمجة السياسات والبرامج العمومية على صعيد الدولة وبين هذه الأخيرة والجماعات الترابية، وإضفاء صبغة القانون على ميثاق تحديد وتفعيل الاختصاصات.

  • المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

ساهم المجلس الاقتصادي والاجتماعي في هذا النقاش بوثيقة هامة تحت عنوان “متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية” في إطار إحالة ذاتية تحمل رقم 22/2016.[8]، وذلك بناء على دراسة أنجزها إسهاما منه في بحث شروط إنجاز الجهوية المتقدمة، وتتجلى الأهداف الأساسية لهذه الدراسة في:

  • تحديد الأدوات والمقاربات الكفيلة بإنجاح اللامركزية واللاتمركز الإداري، خاصة في مجال نقل السلطات.
  • تحسين انسجام واندماج السياسات العمومية عبى المستوى الترابي.
  • النهوض بتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
  • تعزيز التعاون والنهوض بمشاركة الفاعلين المؤسساتيين والترابيين.
  • تعزيز الديموقراطية التشاركية.
  • وانطلاقا من هذه الدراسة واستلهاما من الممارسات الفضلى لاسيما من خلال تجارب فرنسا وإسبانيا، خلص التقرير إلى تسجيل مجموعة من الخلاصات، أهمها:
  • الكثير من التحفظ حول طريقة ممارسة الاختصاصات والنتائج المحصلة، بسبب محدودية نجاعة وقدرة الجماعات على حل الإشكاليات المرتبطة بالتدبير المحلي واختلالات نمط الحكامة.
  • ثقل الوصاية والنزوع القوي إلى المركزية، مما حال دون تيسير تحديد مسؤولية المنتخبين المحليين ودون اضطلاع المسؤولين المحليين بدورهم على أحسن وجه.
  • مقاربة عمودية في تحديد وتحليل السياسات العمومية، تحول دون انسجام واندماج البرامج والاستراتيجيات القطاعية.
  • وقد انتهت الدراسة التي أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى صياغة مجموعة من التوصيات، أبرزها:
  • إطلاق مرحلة “تملك مسؤول” للجهوية (استيعاب أعمق لأسسها وتشبع أكبر بمبادئها وقيمها).
  • إنشاء هيئة وطنية عليا مكلفة بالقيادة الاستراتيجية للجهوية وبالتتبع والتقييم.
  • إحداث بنيات بين وزارية للدعم والمواكبة الإجرائية على المستوى المركزي والجهوي، ونقاط للاتصال داخل القطاعات الوزارية المعنية.
  • التعجيل بإعداد ميثاق اللاتمركز ووضع خارطة طريق للتنزيل تحدد المراحل ذات الأولوية والجدولة الزمنية لتفعيل اللاتمركز.
  • تمكين الجهة من التوفر على إدارة جهوية بسلطات تقريرية، من خلال إحداث مديريات جهوية معززة بالموارد البشرية والمالية، تنتظم في أقطاب إدارية لا ممركزة.
  • يعهد لهذه الإدارة الجهوية بدعم عمل الولاة في تنسيق تدخلات الدولة على المستوى الجهوي، وتنفيذ البرامج التعاقدية بين الدولة والجهة، وتدبير العلاقة بين المصالح اللاممركزة للدولة والجهة.
  • إصدار النص القانوني الذي يؤطر عملية نقل الاختصاصات المشتركة على أساس تعاقد مرتبط بمنظومة للتتبع والتقييم.
  • تحديد حد أدنى مشترك من الاختصاصات التي يتعين البدء بنقلها إلى الجهات.
  • دعم رؤساء الجهات في ممارسة مهامهم، من خلال جلب أطر عليا عن طريق “الوضع رهن الإشارة” ولمدة محددة لأطر عليا من أصحاب الخبرة والكفاءة من إدارات ومؤسسات عمومية، يعملون كمستشارين في مسالك الهندسة التقنية والمالية.
  • إلغاء المراقبة القبلية وتعويضها بمراقبة المواكبة، مع تعزيز المراقبة البعدية.[9]

ثانيا: أهم التحديات التي ينبغي التغلب عليها لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة في المغرب

يمكن القول بأن التنزيل الفعلي لورش الجهوية المتقدمة تم الشروع فيه ابتداء من 4 شتنبر 2015 تاريخ تنظيم الانتخابات الجماعية والجهوية التي أفرزت أول مجالس للجهات بصلاحيات واختصاصات جديدة، وبعد مرور أربع سنوات من الممارسة نظمت وزارة الداخلية بالتعاون مع جمعية جهات المغرب، وبحضور رئيس الحكومة، المناظرة الوطنية للجهات بتاريخ 20-21 دجنبر 2019 بأكادير.وقد انصب التقييم على ستة محاور أساسية:

  • التنمية الجهوية المندمجة: بين متطلبات تقليص الفوارق المجالية ورهان التنافسية وجذب الاستثمار؛
  • الحكامة المالية: الرهانات والفرص
  • اللاتمركز والتعاقد
  • اختصاصات الجهة
  • المشاركة المواطنة
  • الإدارة الجهوية.

ويظهر من خلال التقييم الأولي لهذه التجربة ومدى نجاحها في تمثل الطموحات السياسية التي أطرت هذا المشروع منذ البداية، وقدرتها على تفعيل النص الدستوري لتطوير القرار العمومي على الصعيد الجهوي مع التفعيل الأمثل للقوانين ذات الصلة، أن هناك مجموعة من الصعوبات والتحديات التي ينبغي التغلب عليها لإعطاء دفعة قوية لورش ترسيخ الجهوية المتقدمة في المغرب.

ومن أبرز التحديات التي برزت خلال هذه المرحلة:

  • تحدي ضبط وتدقيق اختصاصات الجهة، والعمل على نقلها بالسرعة اللازمة وجعلها في قلب مسلسل تنزيل الجهوية المتقدمة.

وهو ما يتطلب:

  • العمل على الارتقاء بالجهوية لمستوى يمكن الجهات من سن السياسات العمومية على المستوى الترابي وتعزيز سلطتها التنظيمية؛وإعادة النظر في تموقع الدولة على المستوى الترابي والارتقاء بالجهة إلى مستوى أعلى من جماعة ترابية عادية باعتبارها تحتل موقع الصدارة بالنسبة لباقي الجماعات؛مما يستلزم العمل على مزيد من تدقيق اختصاصات المستويات الثلاث للجماعات الترابية (مجالس الجهات – مجالس العمالات والأقاليم – مجالس الجماعات) بما يمكن من إزالة التداخلات بينها، وتفعيل مبدأ الصدارة عبر وضع قواعد لتنظيم العلاقة بين الجهة وباقي المستويات الجماعات الترابية مما يستدعي إدخال بعض التعديلات على القوانين المؤطرة للجماعات الترابية.
  • النقل الفعلي للاختصاصات الذاتية لفائدة الجهات مع تمكين الجهات من الوسائل والقرار لممارسة اختصاصاتها، على أن يتم ذلك وفق مقاربة منهجية وجدولة زمنية مضبوطة، تراعي الضوابط التالية:
    استحضار ما ورد في المادة 80 من القانون التنظيمي 111.14 المتعلقة بالمبادئ العامة الحاكمة لاختصاصات الجهة: ” تناط بالجهة داخل دائرتها الترابية مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها”، بحيث تكون قراءة وفهم مجمل المواد المتعلقة بالاختصاصات والتعاريف الواردة فيها مستحضرة أن الجهة مسؤولة أساسا وبشكل شمولي على مهام النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها، وفي صلبها القضايا المرتبطة بالتنمية الاقتصادية، مع ما يستوجبه ذلك من أن تكون قراءة الاختصاصات قراءة منفتحة بما يضمن قدرة الجهة على النهوض بوظيفتها الأساس كما هي محددة في هذه المادة.
  • الفصل بين طريقة تناول الاختصاصات الذاتية والاختصاصات المشتركة، فالأولى تتطلب العمل على تدقيق مفهومها ومضمونها واقتراح خارطة طريق للنقل الفعلي لها، بينما بالنسبة للثانية فالمطلوب هو تحديد إطار توجيهي لممارستها باستحضار مبدأ التفريع في علاقة الدولة بالجماعات الترابية وفيما بين هذه الأخيرة من جهة، وباستحضار الاختصاص الجوهري للجهات كما هو محدد في المادة 80 من القانون التنظيمي والمتمثل في “النهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها”.
  • اعتماد مبدأ التفريع المنصوص عليه في الدستور والذي تمت ترجمته في تحديد المبادئ العامة لاختصاصات المستويات الثلاث للجماعات الترابية بشكل يجعلها متمايزة بشكل واضح: خدمات القرب بالنسبة للجماعات، والتنمية الاجتماعية لمجالس العمالات والأقاليم، والتنمية المندمجة والمستدامة للجهات، وهو مبدأ يتعين احترامه وتطبيقه في العلاقة بين الدولة والجهات وبين الجهات وباقي الجماعات الترابية.
  • أما بالنسبة للاختصاصات المشتركة فيتعين تحديد الإطار الأمثل لممارستها من طرف الجهات وخاصة عبر تحديد الإطار المنهجي للتعاقد بين الدولة والجهات مع التفكير في صياغة مدونة الجماعات الترابية، والحرص على خلق التكامل بين الجهات؛ والتفكير فيجعل الفلاحة اختصاصا مشتركا؛

2-تحديالتنمية الجهوية والنجاح في تقليص الفوارق المجالية وكسب رهان التنافسية وخلق جاذبية استثمارية للجهات،

وهو ما يتطلب:

  • تحديد الإشكالات الجوهرية لكل جهة لتشكل المحور الأساس الذي تركز عليه وثائق وبرامج التخطيط والتنمية وتتظافر جهود الجهات والحكومة وباقي الجماعات الترابية على معالجتها كل حسب اختصاصه وفي إطار من التعاون والالتقائية؛
  • تفعيل وتطوير أدوات التخطيط والبرمجة؛
  • مراعاة العدالة المجالية بين الجهات وداخل الجهة الواحدة في إطار نظرة شمولية؛
  • التفكير في آليات حقيقة لضمان التقائية المشاريع والبرامج؛
  • العمل على إعداد نماذج تنموية جهوية تعكس خصوصية كل جهة في سياق تؤطره الوحدة الوطنية؛
  • تعزيز آليات التخطيط الترابي في تناسق مع توجهات السياسة العامة للدولة في مجال إعداد التراب؛
  • تشجيع إنشاء مرصد جهوي متعدد الاختصاصات – الشغل-التكوين المهني – الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في إطار شراكات مع الفاعلين الجهويين.
  • تبني العدالة المجالية كأولوية في السياسات العمومية الترابية من أجل تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؛ 
  • تقوية ودعم آليات ومساطر الالتقائية وتناسق برامج التنمية الجهوية فيما بينها واندماجها معالمخططات القطاعية؛
  • التحفيز الجبائي كدعامة أساسية لجاذبية الاستثمار؛
  • ملائمة مناهج التكوين المهني مع حاجيات ومتطلبات المقاولة؛
  • وضع استراتيجية مشتركة مع باقي الفاعلين (المراكز الجهوية للاستثمار) لإنجاح التسويق الترابي عبر تثمين مؤهلات الجهات؛
  • تعزيز وتقوية دور المقاولة والقطاع الخاص في التنمية الجهوية المندمجة عبر الشراكات ما بين القطاع العام والخاص.
  • تحدي الحكامة المالية:

بالنظر إلى الأدوار المنوطة بالجهات، ومن أجل القيام بها بشكل أمثل فإن الموارد المالية للجهات تبقى في حاجة إلى المزيد من التطوير، ذلك أن،النقل الفعلي للاختصاصات الذاتية للجهات يستوجب أن يواكبه نقل الموارد المالية والبشرية المخصصة له.كما ينبغي:

  • مراعاة طبيعة اختصاصات الجهات وأدوارها في التبويب الجديد للميزانية اعتماد” مصاريف الالتزام” في تبويب ميزانية التجهيز على غرار الإدارات العمومية؛
  • تبسيط وتخفيف مساطر التدبير المالي التي تتسم عامة بالتمركز وطول آجال المعالجة، خاصة ما يتعلق منها المراقبة القبلية للالتزام بالنفقات؛
  • تفعيل إنشاء صندوق التضامن بين الجهات وصندوق التأهيل الاجتماعي؛
  • تعميم منظومة التدبير المندمج للمداخيل GIR على غرار GID ؛
  • تحدي تنزيل ميثاق اللاتمركز وتفعيل التعاقد

بحيث يعتبر اللاتمركز الإداري بالإضافة إلى التعاقد من الدعامات الأساسية لضمان حكامة جيدة في تدبير الشأن العام الترابي، وهو ما يتطلب:

  • ترسيخ شراكة مسؤولة بين الجهات والدولة وفق حكامة ذكية؛
  • ضبط العلاقة بين الجهة وباقي المؤسسات على المستويين الوطني والجهوي؛
  • الحرص على تسريع معالجة الملفات المشتركة بين الجهة والمصالح اللاممركزة؛
  • تسريع وتيرة توقيع وتنفيذ الاتفاقيات المشتركة المصادق عليها من طرف مجالس الجهات؛
  • تعزيز التنسيق بين مؤسسة الجهة والمصالح اللاممركزة من أجل تحيين المعطيات ومؤشرات التنمية؛
  • تحدي المشاركة المواطنة

إن نجاح تنزيل الجهوية المتقدمة مرتبط بالتملك الجماعي لأفراد الجهة وتعزيز الشعور بالانتماء للجهة، وهو ما يستدعي ضمان حد أدنى من التنزيل التشاركي للجهوية المتقدمة، مما يستدعي:

  • تبسيط وتخفيف الإجراءات ذات الصلة بتقديم العرائض وإشراك المجتمع المدني بصفة عامة؛
  • توسيع آليات التشاور لتشمل الغرف المهنية؛
  • تقوية قدرات مشاركة المواطن والمجتمع المدني في الشأن الترابي؛
  • الاستئناس بالتجارب المقارنة الناجحة في هذا المجال؛
  • تحدي الإدارة الجهوية الناجعة

إن نقل الاختصاص إلى الجهة يستوجب معه نقل الموارد البشرية من أجل تطوير الإدارة الجهوية لمواكبة المهام الجديدة للجهات في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة؛ وهو ما يستدعي:

  • تحفيز الموارد البشرية وتعزيز جاذبية الوظيفة العمومية الترابية لتشجيع الطاقات الكفؤة على العمل بالجهات؛
  • عدم ربط إنهاء عقود مديري إدارة الجهة بنهاية الولاية الانتدابية ضمانا لاستمرارية الإدارة واستدامة الفعل التراكمي للجهات؛
  • التعجيل بإصدار القانون المتعلق بالنظام الأساسي للموارد البشرية للجماعات الترابية.
  • إدماج أطر إدارات الجماعات الترابية في المرسوم المنظم للتكوين المستمر وتنمية قدراتهم في إطار سياسة ناجعة للتكوين؛ وإن كانت بعض المجالس الجهوية.
  • تعزيز رقمنة الإدارة الجهوية وتقوية البنية التحية المعلوماتية -بنك المعطيات-.
  • بناء نظام معلوماتي جغرافي جهوي في إطار شراكات مع الإدارات والمؤسسات العمومية؛

 

خاتمة:

بعد تقييم تجربة الأربع سنوات من الممارسة، يمكن اعتبار الجهوية المتقدمة مكسبا مؤسساتيا هاما في أفق تحديث هياكل ومؤسسات الدولة، وإصلاحها بشكل عميق ومراجعة الأدوار بين المركز والمجال، وجعل النظام الجهوي في قلب بناء النموذج التنموي الجديد، وهو ما يجعل من هذا الورش مشروعا ضخما يستدعي انخراط كافة الفاعلين بمنسوب عال من المسؤولية والتحرر واليقظة لمواجهة بعض العقليات المحافظة.

وهو ما يستلزم المرور إلى السرعة القصوى في البناء الجهوي وتفعيل بعض التوصيات الوجيهة التي سبق أن كانت موضوعا لتقارير اللجنة الملكية للجهوية أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، من قبيل:

  • إحداث لجنة لقيادة مشروع الجهوية المتقدمة يرأسها رئيس الحكومة وتضـم الوزراء المعنيين والولاة ورؤساء المجالس الجهوية مكلفــة بالقيــادة الاســتراتيجية للجهويــة، وبالتتبــع والتقييــم، وصياغــة تقريــر ســنوي لعــرض خلاصاتهــا ومقترحاتهــا ذات الطابــع القطاعــي والشــامل، وتتبــع تطبيــق توصياتهــا.
  • إحداث هيئة لتقييم مسارات الجهوية واللامركزية واللاتمركز، مكلفة باختبار هذه المسارات وإصدار مقترحات تمكن من اقتران بعضها بـبعض عنـد التنفيذ ومن تفعيلها أحسن تفعيل. وتتكون هذه الهيئة من شخصيات خبيرة ومستقلة.
  • إحــداث بنيــات بين وزارية للدعــم والمواكبــة الإجرائيــة، علــى المســتوى المركــزي والجهــوي، ونقــاط للاتصال داخــل القطاعــات الوزاريــة المعنيــة بتنزيــل الجهويــة.

[1]الفصل 143 من الدستور المغربي (الظهير الشريف رقم 91-11-1 الصادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، الأمانة العامة للحكومة (سلسلة الوثائق القانونية المغربية).

[2]القانون التنظيمي رقم: 14.111 المتعلق بالجهات.

[3]الذي جاء فيه:” …الجهة والجهوية التي نعتبرها خيارا استراتيجيا وليس مجرد بناء إداري، وننظر إليها على أنها صرح ديموقراطي أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية…”

[4]الذي جاء فيه: “إننا عازمون على توطيد الجهوية بمنظور للتنمية الجهوية المتوازنة”.

[5] يقول الملك محمد السادس: ” لذلك قررنا، إطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة، تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية، مؤكدين عزمنا الراسخ على تمكين كافة ساكنتها وأبنائها من التدبير الديموقراطي لشؤونهم المحلية ضمن مغرب موحد”-الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء-مراكش 6نونبر 2008، سلسلة انبعاث أمة: الجزء 55، القسم الثاني، ص: 490.

[6]ومما جاء في هذا الخطاب “.. وهي لحظة قوية، نعتبرها انطلاقة لورش هيكلي كبير، نريده تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية. كما نتوخى أن يكون انبثاقا لدينامية جديدة، للإصلاح المؤسسي العميق.

ومن هذا المنظور، فإن الجهوية الموسعة المنشودة، ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هياكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة.” كما حدد هذا الخطاب المرتكزات الأربعة التي ينبغي أن يقوم عليها النموذج المغربي – المغربي للجهوية، هي:
“-أولا: التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها، في وحدة الدولة والوطن والتراب، التي نحن لها ضامنون، وعلى صيانتها مؤتمنون. فالجهوية الموسعة، يجب أن تكون تأكيدا ديمقراطيا للتميز المغربي، الغني بتنوع روافده الثقافية والمجالية، المنصهرة في هوية وطنية موحدة. – ثانيا : الالتزام بالتضامن. إذ لا ينبغي اختزال الجهوية في مجرد توزيع جديد للسلطات، بين المركز والجهات. فالتنمية الجهوية لن تكون متكافئة وذات طابع وطني، إلا إذا قامت على تلازم استثمار كل جهة لمؤهلاتها، على الوجه الأمثل، مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن، المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق، في مغرب موحد. -ثالثا : اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات، وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها، بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات.
-رابعا: انتهاج اللاتمركز الواسع، الذي لن تستقيم الجهوية بدون تفعيله، في نطاق حكامة ترابية ناجعة، قائمة على التناسق والتفاعل”.

[7]ومما جاء في هذا الخطاب” إننا نعتبرأن المغرب، بما حققه من تطور ديمقراطي، مؤهل للشروع في تكريسها دستوريا. وقد ارتأينا الأخذ بهذا الخيار المقدام، حرصا على انبثاق الجهوية الموسعة، من الإرادة الشعبية المباشرة، المعبر عنها باستفتاء دستوري.”

إن الانتقال إلى التكريس الدستوري للجهوية المتقدمة ستحكمه مجموعة من التوجهات الأساسية وفق التصور الملكي وهي:

+ تخويل الجهة المكانة الجديرة بها في الدستور، ضمن الجماعات الترابية، وذلك في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب، ومتطلبات التوازن، والتضامن الوطني مع الجهات، وفيما بينها ;

+ التنصيص على انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر، وعلى التدبير الديمقراطي لشؤونها.

+ تخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها، بدل العمال والولاة ;

+ تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن الجهوي خاصة، وفي الحقوق السياسية عامة ; وذلك بالتنصيص القانوني على تيسير ولوجها للمهام الانتخابية ;

+ إعادة النظر في تركيبة وصلاحيات مجلس المستشارين، في اتجاه تكريس تمثيليته الترابية للجهات. “

[8]المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي “متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية” إحالة ذاتية تحمل رقم 22/2016.

[9]يتعلق الأمر ب77 توصية من أجل إنجاح تنزيل الجهوية المتقدمة، للاطلاع على التوصيات كاملة، انظر: [9]المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي “متطلبات الجهوية المتقدمةوتحديات إدماج السياسات القطاعية” إحالة ذاتية تحمل رقم 22/2016.

 

A propos CERSS مركز الدراسات 163 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*