د. عبدالله ساعف: كورونا ، اللايقين ومآلات العولمة

ستتطرق هذه المداخلة إلى خمسة نقط:

  1. في النسبية
  2. في الأحداث الصادمة
  3. في حالة اللايقين التي فرضها فيروس كورونا
  4. في تأثيراته المحتملة على العولمة
  5. في استقراءات المرحلة ما بعد الكورونا

  1) 

تعرفت خلال مساري كطالب , ثم كأستاذ , على مجموعة من الأساتذة الباحثين وجامعيين ومفكرين مشهود لهم بعطاءهم و مكانتهم تعودوا التعبير عن أفكارهم في كل موضوع بتدفق من الاحتياطات المنهجية وتلمس الحدر، والتحسس والتردد. يدخلون بطريقة ممنهجة في نصوصهم أو مداخلاتهم الشفوية قليلا من الجزم وكثيرا من اللاتحديد. هذه الطريقة في تناول مواضيع دراستهم ترافقهم باستمرار لدرجة أنهم جعلوا منها قاعدة في الحياة ونوعًا من عقيدتهم الأساسية. أتذكر على سبيل المثال كيف كان”بول باسكون” يلتمس من كتاب النصوص (مقالات، أطروحات…….)  ازالة أو تفادي كلمات مثل “أبدًا” ، “دائمًا” ، في “كل زمان” ….. في رأيه كان يجب رفض أي شيء يمكن إيحاء بالشعور على أنه تأكيد للحقيقة المطلقة، فمن هده الزاوية لا توجد سوى معرفة  نسبية.

هذا المنحى المنهجي بالاستعمال المضاعف لعبارات مثل “ربما”، ” على ما يبدو”، “يظهر أن” … هو تعبير عن الحقيقة بطريقة نسبية بعيدا عن القول الفصل أو الجزم،هل هو عادة أكاديمية؟ هل يحتوي على بُعد وجودي يميز نظرة معينة للعالم؟ توجه واضح للغاية في مواجهة محاورين حازمين بشكل مفرط، واثقين أكثر من اللازم في أنفسهم، محاطين بيقينياتهم وقناعاتهم الصلبة رافضين دون تردد الأراء المختلفة، صدئين، يخاطبون الناس عن العالم بلغة “هذا الشيء حسم من قبل “، “حكم عليه من قبل “، “قرأ من قبل”، “قرر من قبل”…إن حاملي النظرة النسبية يمرون بمشاعر عدم الثقة في المذهبين الدغمائيين، والاستياء الشديد، والنفور…

تظهر الوقائع الحالية محورية العلم داخل المجتمع من خلال تصورين أ ومنظورين اثنين:

  • بالنسبة للمنظور الأول،العلم كمرجع للحقائق المطلقة والإثباتات التي لا يمكن دحضها. هذا في تناسي قابلية العلمي للتكذيب حسب كارل بوبر، وتعقيد المعرفة عند باشلار، و الطابع المتقطع لتشكل تاريخ العلوم لدى توماس صاموئيل كون.
  • من زاوية المنظور الثاني، فتقدم العلم لايتناقض و لا يستنفد اختلافات النظريات بشأن التدابير التي يجب اتخاذها والعلاجات، وصلاحية الادوية, النقاش الحالي حول الكلوروكين، طرق التجارب السريرية، كذلك حول تحديد موقع الاجوبة الاستعجالية أو الطارئة أو البدائل على المدى المتوسط أو البعيد. تعيش العلوم وتتقدم من خلال الخلافات والاختلافات، التي هي جزء من البحث العلمي وتذكرنا بأن النظريات العلمية لا يمكن ان تكون مطلقة.

هذا المنحى يعزز قدرة العقل على الاعتراف بالاحتمالات أو السيناريوهات غير المتوقعة، والنظر للحياة كمغامرة مستمرة، للتحرر من أغلال الانتظام والروتين، لاستكشاف المحتمل، والذي لا يحدث دائمًا.  يقول “اوريبيد”: “هذه الآلهة تسبب لنا الكثير من المفاجآت: ما هو متوقع لا يتحقق، وما هو غير متوقع يفتح له الإله طريقا “.

عدم اليقين يحيط بنا ، وفقًا لهذا المفهوم النسبي للحياة. وهكذا يمكن أن تسكننا بشكل مستمر فكرة إمكانية تحول مصير المجتمعات فجأة. لطالما كانت الأوبئة جزءًا من المخاطر والتهديدات.  وقد تم تطوير في عدد من مراكز التفكير الاستراتيجي فرضيات وأطروحات حول هذه الإمكانية في ظل تحليل أمني وحتى عسكري مند حقب طويلة.

ومع ذلك، فإن صدمة فيروس كوفيد 19، تشكل اختبارًا مهمًا للغاية بل جذريًا، أتى بطريقة عنيفة وغير اعتيادية، وشكل مفاجأة غير مسبوقة، وبحجم لم يكن معروفًا من قبل. لقد أحدث له حجم العملاق الصيني صدا خاصا كدليل على هشاشة المجتمعات اليوم، حتى تلك التي تبدو الأكثر متانة واستماتة. إن تدفقات وتراجعات الأسواق المالية زرع كدالك خوفا عاما رهيبا وعملت في الحالة هذه بمثابة سلطة أخلاقية فاعلة في صنع القرار.

                                                       

2)

عاش سكان المعمور خلال العشريات الأخيرة سلسلة من الأحداث الصادمة والعنيفة، أحداث منعرجات, تعلن عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة:

ابتداء بالكوارث الطبيعية، مرورا بالحروب والأزمات الاقتصادية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أزمة 2008، وانتهاءا بالهجمات ذات الطبيعة المختلفة والمثيرة للقرن 21، هذا دون أن ننسى الأزمات السياسية بجميع ألوانها و عبر مختلف محطاتها…

لكن مع اجتياح الفيروس المستجد للقارات الخمس، فقد دخل كوكبنا مرحلة مفصلية غير مسبوقة، لم يتوقعها أحد على الإطلاق، لاختلاف هذه الجائحة الجديدة مع سابقاتها من الأوبئة الغريبة التي رصدتها حوليات الوقاءع الصحية، لمحدودية تأثيرها بالنظر لعدد المصابين ولصبغتها المحلية.

وكمثال عن هذه الحالات الغريبة والشاذة نذكر انغماس عشرات من سكان مدينة ستراسبورغ سنة 1518 في رقص مسترسل ليلا ونهارا حتى لقو حتفهم في هستيريا بمعنى طب الأمراض العقلية والنفسية، أما في جزيرة بونغيلاب في ميكرونيزيا فقد تم اكتشاف مرض جيني ورم دموي (Achromatopsie) ألم بعشرات من السكان سنة 1820، بينما شهد دير لودان بفرنسا سنة 1620 إصابة مجموعة من الراهبات الشابات بهلوسات قوية، وغير بعيد عن ذلك أعلن في تانزانيا في ستينيات القرن الماضي عن هستيريا جماعية في صفوف عدد كبير من السكان أخذت شكل ضحك ضخم متواصل دون انقطاع، وفي سنة 1951 ظهرت بعض نوبات الجنون في القرى، وكما سجل المؤرخون موجة من اضطرابات الشخصية بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980 دهب ضحيتها أكثر من40000( وفايات) شخص. صحيح بأن الغرابة وما هو خارج عن المعتاد يعتبر ميزة أساسية لهذه الأوبئة، لكنها تبقى هامشية في وقعها، محدودة في تأثيرها، متمركزة في نطاق جغرافي ضيق.

  • أما 19Coved فيختلف عن نظرائه من باقي الأوبئة الكلاسيكية، حتى تلك التي كان لها وزن في التأريخ الكوني للطب، حال وباء الطاعون أو الكوليرا، ذلك أن تأثيره أكثر وقعا مقارنة بتأثير السيدا أو إيبولا اللتين تمركزتا في دوائر جغرافية و سوسيو-ثقافية محددة.
  • كما أن ما أحدثه من فوضى عارمة في المجال العالمي لا يمكن مقارنته بتأثير وباء H1N1 لسنة 1918 الأنفلونزا الإسبانية، أو بأنفلونزا هونكونغ لسنة 1968 رغم أن هده الأخيرةعلى ما يقال أودت بحياة مليون شخص، يضاف اليهم30 الف فرنسي، ما جعلها تعتبر اليوم بالجائحة الأولى، قبل موجات الأوبئة التي تلتها.
  • يبدو أن فيروس كوفيد 19 هو الأكثر فتكا حتى الآن، خاصة مع بعض التوقعات التي كانت تتنبأ بمقتل أزيد من 40 مليون مصاب، وهو مما لا شك فيه إذا حصل سيشكل لا قدر الله حدث تاريخي لم يسبق له مثيل، واختبار غير مسبوق من حيث صعوبة تنبؤه، والامتداد الجغرافي لا مثيل له من حيث نطاق توسعه وخطوط انحنائه ومسافاته وإيقاعاته، وكذا من حيث شدته وتدفق المعلومات في نظام مترابط ومعقد في ظل ثقافة رقمية وصلت إلى دروتها.

 

3) 

يلزم فيروس كورونا، بكل خصائصه، التماهي في عالم عدم اليقين (العنف، المفاجئة، المدى، مستوى الاعتلال، العالمية …).

وإعادة النظرة النسبية لرؤيتنا للعالم، ولعلمنا، ولممارساتنا، وحقيقة إدراكنا بأننا محاطون أخيراً بغموض كبير، وانعدام تحديد مصيرنا، لا يعني بتاتا الضياع في الشكوك المطلقة التي تغدي انعدام الثقة، والابتعاد، والقدرة على إيجاد البدائل.

التعريف الذي أعطاه أنطونيو كرامشي للأزمة لا يزال يبدو موضوعيًا ويمكن استخدامه في الوضع الحالي: فهو يتمثل في الآتي ”يموت القديم، والجديد لم يولد بعد، وخلال هذا المخاض الداخلي، تنبث أكثر الظواهر المرضية تنوعا “.

عدم اليقين لا يمنع ولا يحول دون اتخاذ إجراءات. يمكن تدبير الايقين. فقد طور في وقت وجيز أخصائيو الأمراض المعدية اختبارات الفحص السريع، وتم تنظيم المستعجلات وإنشاء خدمات طبية جديدة وتقديم الدعم للفئات المتضررة والهشة…

يمكن فعل الكثير لمنع الأسوأ. علم الفيروسات حاضر بفعالية نسبية في الميدان اليوم، وربما في الغد أيضا، الطب جميل، لكن ببساطة انه ليس  بعلم دقيقً. يسود عدم اليقين قليلا أو على نطاق واسع، بين مستوى ثانوي وأخر رئيسي. يبدو أنالا يقين يسود حول أصل الفيروس،و أشكاله المختلفة، و درجات أضراره، و عواقبه في جميع المجالات ,السياسة المحلية، العلاقات الدولية، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد، المجال الاجتماعي والثقافي ….

كيف يمكن إحياء البلدان ذات الاقتصادات المشلولة، وفقدان العمل والوظائف؟ أي مستقبل للأسواق المالية والأنظمة السياسية والأمم والحقوق والحريات والنظام الدولي؟ أية توازنات للاقتصاد العالمي الجديد؟

الكلمات المستخدمة من قبل المفكرين والفاعلين الاستراتيجيين المعروفين في جميع أنحاء المعمور معبرة للغاية وتشير إلى متداعيات بنيوية ذات الأبعاد المجهولة.

لا يسعنا إلا أن نقبل ونعيش في حالة من عدم اليقين: لا يزال عدم اليقين عنصرًا لا يمكن تفسيره في حالة الإنسان. ينبغي أن نتخلص من عادات اليقين بشأن الاتي من الأيام. العيش كما يقول إدكار موران هو “الإبحار في محيط من اللايقين، من خلال الجزر وأرخبيلات اليقين والتي منهم نحصل على إمداداتنا ”.

4)

إن عدم اليقين الذي فتحت ابوابه، والتردد الذي ما فتىء يتسع نطاقه إلى يومنا هذا منذ بداية الأزمة قد أصاب واستقر في قلب العولمة. حيث يبدو أن الفيروس قد ضرب هذه الأخيرة ضربة قوية رغم ما يبدو من توفرها على طاقات صلبة تنبني على وفرة كبيرة للموارد المالية أدت إلى تطور وهم وجود نمو اقتصادي لا يتوقف و لا ينهار، وأدت إلى حدوث تحول في منظومة القيم الدائمة وذلك عبر:

  • سيادة اقتصاد شامل للمضاربة كان الفاعلون داخله يواجهون بعضهم البعض، ويراقبون بعضهم البعض. ويقومون بمبادرات استباقية إلى المبادرات المماثلة التي يقوم بها منافسوهم. ويتطلعون إلى تحقيق الأرباح من خلال المزايدة على الآخرين، وكذا الإعلان عن ثورات تكنولوجية تسبق ثورات الآخرين.. الخ،
  • واعتمد ذلك أيضا على الإستحواذ على موارد مالية كبيرة مرتبطة بالادخار العام الذي توفره صناديق الاستثمار، …
  • كما انبنى ذلك على ظهور شركات كبرى أصبح لها نطاق عمل عالمي بعد أن تحررت من قبضة الدول بل تحررت حتى من التأثير البسيط لهذه الأخيرة. واستطاعت هذه الشركات أن تبني سلاسل إنتاجها من خلال الاستفادة من مزايا الدولة (تكاليف الإنتاج والعمل، واستغلال البيئة أو من الضرائب).
  • كما تأسس ذلك على القدرة التنافسية والربحية مع ما رافق ذلك من عواقب وخيمة على ظروف العمل، وهيمنة صناعة الأشياء التي يسهل رميها، وهيمنة المصلحة الفردية، وتداول المعلومات حال وقوعها مع ما يصاحبها من صور وأرقام بشكل مباشر ومن مختلف بقاع العالم.

لقد أصاب الخلل هذا النموذج الليبرالي المتطرف نتيجة هذا الفيروس الغريب. وهكذا بدات مسائلة طرق الإنتاج، والاستهلاك ، ومعنى العمل، ودلالات التسلسل الهرمي للمهن… وغيرها. وأعيد، بشكل عام، إحياء النقاش حول عولمة سلاسل وشبكات الإنتاج، وحول الحاجة إلى إعادة ترحيلها.

قبل ظهور الفيروس، كانت قد بدأت تقع فعلا تحولات وتغيرات. بحيث أن العولمة كانت قد تعرضت بالفعل لاختبارات وامتحانات عدة، مثل الحروب التجارية للرئيس ترامب ضد الصين، وإعادة التفاوض على العديد من الاتفاقيات التجارية حتى فيما بين الحلفاء، وفرض الضرائب على تصدير بعض المنتوجات (الصلب ، الاليمنيوم، النبيذ الأوروبي…). لقد تسارعت هذه التحولات بفعل حجم وقوة الأزمة الحالية. وهي تحولات تكرس حالة من اللايقين الذي غطى على جميع المجالات، وتم وضع العديد من السيناريوهات: بدءا من السيناريوهات الممكنة إلى الأكثر منطقية، وصولا إلى السيناريوهات الأكثر جنونا..

إن هناك انقلابا مثيرا ما زال يجري إلى حد الآن قياسا إلى تزايد الصور والمعلومات المؤكدة وكذلك تلك المزيفة أوالغريبة. بحيث صرنا نشاهد يوميا على الشاشات توالي رسومات بيانية عن أماكن الوباء، وإحصائيات، ومشاهد لحياة العديد من الأشخاص يصاحبها كلام للعلماء أو للأشخاص العاديين. وهي بقع حمراء تتراجع في بعض الأيام، ثم يبدو أنها تتزايد في أوقات لاحقة بشكل يزيد من مخاوف الناس بشكل غير مسبوق.

مع مرور الوقت، يكشف هذا الفيروس عن الثغرات، والتناقضات، واللايقين ويثير المظالم الكامنة في العقائد النيوليبرالية. وفي طريقه، يقوم الفيروس بقلب كل شيء رأسا على عقب، بحيث تم إغلاق المصانع والمطارات، وانتشر الهلع داخل الدوائر المسيرة والقيادات، وفي أوساط القوى الحية عبر العالم.

لكن هل سينتصر الفيروس على العولمة؟ لا يبدو أن ذلك سيقع إذا علمنا أنه ستبقى هناك تفاوتات بين الدول على مستوى تكلفة اليد العاملة، والضرائب ، والحاجة إلى التزود بالمواد الخام . كما أنه لا شيء يمنع احتمال سقوطها أو تأثيرها تحت ضربات ما سمي بالجائحة.

5)

تعتبر مسألة ما بعد الكورونا من أهم النقاشات الجارية حاليا . فالعديد من التحاليل تستقرأ من خلال الأوضاع الحالية معالم إعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية، من بينها ما هو متعلق بالعائلة ( إعادة  الاعتبار للبيت )، وفي الفضاء العام ( التواصل، الاتصال، التباعد، نوع من إعادة التنشئة …). كذلك في قلب التحاليل الوقوف عند النزعات البارزة حاليا والتي بقدر ما تنم عن تقوية للفردية تنذر كذلك بصعود من جديد لروح جماعية، تعطي مكانة أقوى للعيش المشترك، أو لمزيج بين الاثنين.

مما يحتم الأخذ بعين الاعتبار قوة روح الصمود التي تجسدها مثلا جهود العاملين في مجال الصحة (الأطباء، الممرضين، تقنيو مجال الصحة…). كما من الضروري عدم تجاهل المؤشرات المناقضة لمبدأ التضامن والتي تبرز هنا وهناك.

على المستوى الاقتصادي تتكاثر الأسئلة حول إمكانية إعادة الانتشار لسلسلات الإنتاج ، والحاجة لضرورة إعادة التفكير في سلسلات التموين، وإمكانية إعطاء قيمة جديدة للإنتاج المحلي، والعودة إلى تجارة القرب، ومستقبل نمط الشغل ( انظر مثلا لتأثير شكل العمل  الحالي عن بعد Le télétravail ) ، والتحولات الممكنة للمقاولة، والترتيبات الإضافية التي تفرضها إجراءات تقديم تعويضات للمقاولات بالنسبة للمرحلة المقبلة كمساعدة للعطالة ودعم للضعفاء ، وإعادة رسم ملامح الدولة الاجتماعية لما بعد الكورونا.

كما أن الحضر الصحي يتيح الفرصة لإعادة التفكير، وتعميق الوعي بأزمة الحضارة التي أبرزتها المرحلة الحالية، والتي لها تأثير مباشر على الوضع البشري بكامله ، بما يفرض ذلك من تغيير للتمثلات والتصورات والمعارف ، والسلوكات ، والقيم الاجتماعية ، والوجود…

على مستوى الحياة السياسية الداخلية هل ستضع الدول يدها على سلطات جديدة، أم تتراجع؟ هل سيتم ذلك بانخراط مواطنين لم يعد يهمهم إلا أن تحميهم الدولة، أم بمواقف مواطنة متمسكة بحقوق وحريات انتزعتها عبر مسارات تاريخية معقدة؟ هل ستتقوى نزعة بروز الدول الفاشلة، أم تبرز ظاهرة الدول الصامدة؟ وما هي التطورات التي ستطبع الحكامات ؟ على مستوى العلاقات الخارجية هل ستعاد صياغتها (تدهور العلاقات الصينية الأمريكية ، نحو عولمة ممركزة على قوة الصين بعد أن تمركزت في المرحلة السابقةعلى قوة الولايات المتحدة ، ضعف أوروبا وتبعاته، تكدير صورة الغرب ، إرادة أقل لمواجهة المشاكل الإقليمية والعالمية ، تراجع التعاون الدولي؟

كل هذه التساؤلات والاستقراءات تشكل محاولات استباقية تملأ فضاءات النقاش العمومي حولنا في مواقع متعددة، وهي إلى حدود الساعة لم تتجاوز مستوى فرضيات واحتمالات هشة. قابلة للتبخر، مريبة، معقدة وغامضة…

في حقيقة الأمر، وكخلاصة مؤقتة, يظهر أن مركب الأزمات الجارية حاليا بإمكانها أن تنتج تغيرات نوعية  وجدرية في السلوكات والممارسات والثقافة . كما يمكن للبنيات الموجودة ، والتوجهات الأساسية التي تحكمت في الأوضاع إلى حد الآن أن تخرج عبر زمن الكورونا أكثر قوة . كل الآفاق تبقى مفتوحة.

A propos CERSS مركز الدراسات 145 Articles
Administrateur du site

Soyez le premier à commenter

Laisser un commentaire